تمر أيام شهر رمضان وتبعث في النفس الانسانية حب الخير، وعمل الصالحات، وتذكر المسلم القادر بواجبات انواع البر والتعاطف والتراحم ونشر السعادة بين ربوع المجتمع فيشعر بها الفقير بجانب الغني عندما يجد ما يشبعه ويرويه، الامر الذي يجعله يحمد الله ويشكره ويدعو لأهل الخير بدوام الخير. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نعم المال الصالح للرجل الصالح. ولا شك ان المال يعين العبد على تقوى الله، ومن عدم المال صار مشغولاً بأمور الدنيا. والذي يتمتع بسعة من المال يقول بلسان حاله الحمد لله والشكر لله وشكر المال انفاقه في الحلال ، لا امساكه حتى لا يظل صاحبه فقيراً رغم غناه. ورد في الأثر ان من لم يعرف نعم الله إلا في مطعمه وشربه فقد قل عمله فنعم الله كثيرة، قال تعالى:« وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» (النحل 18)
وروى عن بكر بن عبدالله المزني قال: من كان مسلماً وبدنه في عافية فقد اجتمع عليه سيد نعيم الدنيا وسيد نعيم الآخرة، لأن سيد نعيم الدنيا هو العافية وسيد نعيم الآخرة هو الإسلام. يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: من أصبح آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
وأشكر العباد احبهم إلى الله وأقربهم إليه.
روى عن الاشعث بن قيس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان اشْكَر الناس لله تبارك وتعالى اشكرهم للناس. وفي رواية: لا يشكر الله من لا يشكر الناس. (رواه احمد ورواته ثقات)
ولا شك ان النعمة اذا لم تشكر زالت ولم تعد، قال تعالى: «لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. (ابراهيم)
والذي يسعد الصائم في شهر رمضان ان نفسه تعيش في مأمن من وساوس الشيطان، لأن الشياطين أو مردة الجن تصفد أو تغل أو تسلسل في رمضان وليس لهم سبيل على المسلم الذي يعيش مع ربه ويعرف حدود شهر رمضان ويكثر من فعل الخير ويظل على صلة دائمة بالقرآن الكريم، يقرأه ويتدبره ولا يفتر لسانه عن ذكر الله.
وإذا صار المسلم في مأمن من مكر الشيطان ووسوسته، شعر بحلاوة الطاعة والقرب من الله في شهر رمضان وقابل ذلك بالشكر والحمد وتمنى من الله أن يعينه على ما هو عليه من عمل الصالحات طوال العام.
ومن أعطى لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً كان من السعداء المفلحين كان من دعاء داوود عليه الصلاة والسلام: اللهم إني أسألك وأعوذ بك من اربعة، أما اللواتي اسألك:
فلساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وبدناً صابراً، وزوجة تعينني في دنياي وآخرتي وأما اللواتي أعوذ بك منهن، فأعوذ بك من ولد يكون علي سيِّدا ومن امرأة تشينني قبل وقت المشيب ومن مال يكون وبالاً علي ومن جار لو رأى مني حسنة كتمها ولو رأى مني سيئة أفشاها.
المسلم الذي انعم الله عليه بالصحة والعافية والمال والولد والزوجة الصالحة والعلم النافع لا شك انه يعيش في سعادة حقيقية، ينميها التمسك بأهداب الدين والتفكير الهادئ في عطاء الله له وكيف يحافظ عليه وذلك من خلال الشكر وأداء حقوق العباد فيه ولا يبخل، «ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه والله الغني وأنتم الفقراء». (سورة محمد 38)
قال الامام السمرقندي: تمام الشكر في ثلاثة أشياء: أولها: إذا أعطاك الله شيئاً، فتنظر من الذي أعطاك فتحمده عليه.
والثاني: أن ترضى بما أعطاك.
والثالث: ما دام منفعة ذلك الشيء معك وقوته في جسدك لا تعصه.
أوحى الله تعالى أيوب عليه السلام: يا أيوب، ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان، فإذا شكرني على نعمائي قال الملكان: اللهم زده نعماً على نعم فإنك أهل الحمد والشكر، فكن من الشاكرين قريباً، فكفى بالشاكرين علو رتبة عندي إني اشكر شكرهم، وملائكتي يدعون لهم والبقاع تحبهم، والآثار تبكي عليهم.
فإذن كل من اعتبر حال نفسه، وفتش عما خص به، وحب لله تعالى على نفسه نعماً كثيرة، لا سيما من خص بالسنة والايمان، والعلم، والقرآن، ثم الفراغ والصحة والأمن وغير ذلك.
ولذلك قيل:
من شاء عيشا رحيبا يستطيل به
في دينه ثم في دنياه إقبالا
فلينظرن إلى من فوقه ورعاً
ولينظرن إلى من دونه مالا
وأعظم نعمة تستحق الشكر هي نعمة القرآن الكريم الذي انزل في شهر رمضان ليكون دستوراً وهدى للعالمين.
قال تعالى: «شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.» (البقرة 185).
والحقيقة ان العبد يفرح بهذه النعمة التي تجعله ينعم بلحظات القرب والوصول بإذن الله.
والانسان البصير هو الذي يفرح من الدنيا بما هو مزرعة للآخرة ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله وتصده عن سبيله.
والحفاظ على النعمة وصيانتها يتطلب العمل بالقلب وباللسان وبالجوارح.
اما بالقلب: فقصد الخير واضماره لكافة الخلق.
وأما باللسان: فإظهار الشكر لله تعالى بالحمد والثناء عليه.
وأما بالجوارح: فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته. والشكر باللسان من جملة الشكر، روي ان وفداً قدم على عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، فقام شاب ليتكلم، فقال عمر:
الكبر، الكبر، فقال يا أمير المؤمنين لو كان الامر بالسن لكان في المسلمين من هو أسن منك! فقال تكلم فقال: لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة!! أما الرغبة فقد أوصلها الينا فضلك، وأما الرهبة فقد آمنا منها عدلك، وإنما نحن وفد الشكر، جئنا نشكرك باللسان ونتصرف.
قال ابو علي الروذباري:
لو كل جارحة مني لها لغة
تثني عليك بما اوليت من حسن
لكان ما زاد شكري اذ شكرت به
إليك ازيد في الاحسان والمنن
وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء:
اللهم تقبل منا صيامنا واجعله شاهداً لنا لا علينا، وجنبنا يا رب التقصير في صلاتنا ووفقنا لتأديتها كما فرضت وأمرت به على سنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم خشوعاً وخضوعاً وطمأنينة وفهماً وتدبراً، اللهم قربنا اليك برضاك عنا وسهل علينا كل عسير، وأرنا من انفسنا خيراً وابعد عنا الريب والظنون، وهبنا قلباً سليماً من الهوى، مفعما بالنهي، واجعلنا من الشاكرين لآلائك المستحقين لنعمائك، الذاكرين لفضلك وتقبل يا رب منا صالح القول والعمل انك على كل شيء قدير.