في عام 1850 ق.م (حسب تشارلز كنت) هاجر أبو الأنبياء إبراهيم مع أهله من موطنه بمنطقه تسمى فدان أرام التي تقع في الشام (جنوب سوريا والعراق حاليا) وذلك بعد ابتلائه بالإلقاء في النار ونجاته بسبب تحطيمه الأصنام كما هو معروف قاصدا ارض كنعان (ارض العرب) .
وهي أقدم اسم لفلسطين وبعد أن يئست امرأته سارة ـ كبيرة السن ـ من الإنجاب زوجته من جاريتها المصرية هاجر عسى إن يرزق بذرية منها وقد استجاب الله لرغبة الأسرة وحملت هاجر فرحة بحملها داعية الله أن يهبها مولوداً مباركاً ودائما ما كانت تدعوه تعالى بقبول دعوتها قائلة (أيلي.. أيلي اسمع أيل وتعني بالعربية ألاهي اسمع يا الله) لذلك اسم المولود إسماعيل ولما تملكت الغيرة من سارة قام إبراهيم بنقل زوجته هاجر وابنها إلى مكة بتكليف من الله لحكمة لا يعلمها إلا هو .
وليس بطرد زوجته وابنه كما تدعي بعض الكتب إذ كان إبراهيم يزورهم بين الفينة والفينة ولما وصل إسماعيل حوالي الرابعة عشرة من العمر رأى إبراهيم في المنام انه يذبح وبيده وحيده الذي جاء بعد طول انتظار وكان هذا الابتلاء الثاني أقسى على إبراهيم من الابتلاء الأول وهو إلقاؤه في النار.
ويقول القرآن في سورة الصافات وهي السورة الوحيدة التي تعرضت لواقعة الذبح (فبشرناه بغلام حليم) آية 101 ـ ولم يتكرر تعبير غلام حليم في أي موقع بالقرآن ـ «فلما بلغ معه السعي قال يا بني أني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى»®®®.
إلى إن تنتهي آيات واقعة الذبح، ثم تقول الآية 112 مباشرة «وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين»- أي إن إسحاق ولد وإسماعيل عمره أكثر من أربعة عشر عاماً - وكان جزاء إبراهيم وإسماعيل اللذين نجحا في الابتلاء القاسي ما ورد في الإصحاح 17 من سفر التكوين بالتوراة «وأعطي لك ولنسلك من بعدك ارض غربتك كل ارض كنعان ملكاً أبدياً» كما تقول في سفر التكوين 21:13 «وابن الجارية أيضا سأجعله امة لأنه من نسلك» ومما يؤيد هذا من التوراة أيضا في سفر التكوين 22:
1- 2 عند ذكر واقعة الذبح «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه» ونفهم من هذا النص انه إسماعيل لأن إسحاق لم يكن قد ولد بعد إلا إن بعض الكتب تضيف في نهاية هذا النص كلمة إسحاق بدعوة أن ابن الجارية لا يرث وهذا يتعرض مع ما سبق من القرآن والتوراة ومما يعزز ذلك أن جاء في سفر التكوين 25: 9 عندما مات إبراهيم «و دفنه ابناه إسماعيل وإسحاق في مغارة المكفيلة» بمدينة حبرون .
وهي الخليل حاليا وكذلك جاء في الرسالة إلى أهل روميه (2:11) بالإنجيل «لأن ليس عند الله محاباة» , أما ما جاء بالقرآن لتعزيز ذلك خلافا لما ذكر في سورة الصافات من وصف الذبيح بالغلام الحليم وبعد الانتهاء عن الحديث عن واقعة الذبح ذكرت البشرى بإسحاق أية 112.
وتكررت هذه البشرى في ثلاث سور أخرى من القرآن عند الحديث عن ضيف إبراهيم وهم الملائكة والمبشرون بإسحاق والذين أوجس إبراهيم منهم خيفة حيث ذكر اسم إسحاق في سورة هود وذكر صفة الغلام بالعليم (وليس الحليم) في سورتي الحجر والذاريات «وامرأته قائمة فضحكت وبشرنها بإسحاق» هود 71 ، «قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم» الحجر53، «فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم» الذاريات 28.
جدير بالذكر إن بعض المفسرين بحاجة ماسة إلى مثل هذا التدقيق حتى لا يكون تفسيرهم عن الرواة فقط بان يقولوا فلان قال إسحاق وفلان قال إسماعيل خاصة إن مكان الذبح هو مكة المكرمة وقد تحقق وعد الله في امة محمد صلى الله عليه وسلم من نسل إسماعيل وهي الأمة التي شرفها الله بالحفاظ على كتابه العظيم ، واتباعهم لملة أبيهم إبراهيم.