للتدليل على أن العدل والمساواة حق مكفول في الإسلام لا قولاً وتنظيراً وإنما كتطبيق على أرض الواقع نسوق بعض المواقف.
هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الأمير الغساني جبلة بن الأيهم، كان جبلة هذا أحد أمراء الغساسنة ذوي الجاه والأبهة، جاء إلى مكة لأداء فريضة الحج وكان وقتها حديث الاسلام لم يفقه عن أخلاقيات الإسلام ومنهجه في السلوك وانه لا يفرق في الحقوق بين أمير أو رجل عادي من عامة الناس إذا وقفا موقف المقاضاة، فالمساواة بينهما أمر حتمي والحكم بالعدل يستوجبه الشرع.
ما حدث أن ذلك الأمير الغساني الذي حضر للحج في زفة من حاشيته، وطئ أعرابي ثوبه أثناء الطواف على غير قصد منه لأن ثوب جبلة كانت أذياله تجر على الأرض خلفه على عادة ملوك وأمراء ذلك الزمان.
ـ وربما تكون هذه العادة التي تنم عن الكبر والخيلاء لها بقايا في بعض أنحاء المعمورة ـ فما كان من الأمير الغساني إلا أن التفت إلى ذلك الاعرابي غاضباً فلطمه على وجهه لطمة أوجعته حدث ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فركب الاعرابي بعيره وانطلق إلى المدينة حاضرة الإسلام يشكو ذلك الأمير، فقال عمر:
لطمة بلطمة أو يعفو ـ صاحب الشكوى ـ ويصفح، قال ذلك بعد أن استدعى ذلك الأمير وأقر بفعلته، دهش ذلك الأمير من هذا الحكم وقال: يا أمير المؤمنين أتسوي بيني وبينه وأنا ملك وهو سوقة؟
قال له عمر: الإسلام سوى بينكما، فإما أن يلطمك كما لطمته وإما أن ترضيه (أي أن يدفع له تعويضاً مادياً بلغة عصرنا عما أصابه من إهانة).
ولأن ذلك الأمير الغساني المتكبر تكبر جاهلية لم يزل فيه شيء منها حتى ذلك، أضمر في نفسه أمراً قال: سأحاول أن أرضيه فأمهلني يا أمير المؤمنين. فمنحه عمر تلك المهلة اعتقاداً منه أنه سيفكر في وسيلة لإرضاء الاعرابي.
ولكن الذي حدث هو أن جبلة هرب بليل بحاشيته فاراً من هذا الدين الذي يسوي بينه وبين رجل من السوقة ـ على حد تعبيره ـ ولجأ إلى الروم مرتداً والعياذ بالله، وتقول الرواية إنه ندم بعد ذلك حيث لا ينفع الندم.
وثمة موقف آخر يدلل على هذه الواقعية في العدل والمساواة أيضاً مع الفاروق عمر الذي قال عنه رسول كسرى عندما جاء يسأل عنه فأشاروا له أنه ذلك النائم تحت ظل تلك الشجرة لا حراسة أمنية ولا شيء من هذا القبيل. فقال:
«عدلت فنمت» يعني على هذا الوضع الذي رآه عليه. الموقف الذي نحن بصدده ربما أصبح يتردد على كثير من الألسن ويعرفه كثير من عامة الناس، أعني قولته المشهورة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، والقصة تتلخص في أن أحد أبناء أقباط مصر تراهن على السباق مع ابن عمرو بن العاص وهو والي مصر فسبقه، فما كان من ابن عمرو إلا أن ضرب القبطي بسوط فرسه وقال:
أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟ يعني أنه ينحدر من سلالة خيرة من العرب وأن أباه على الأقل هو الحاكم. ولكن في الإسلام لا شيء من ذلك والأقباط الذين رحبوا بالإسلام في بلادهم أيما ترحيب يعلمون ذلك، ولذا لم يتأخر الأب القبطي فشد الرحال مع ابنه إلى المدينة وشكا عمرو وابنه إلى عمر، ولنا أن نتصور كم كابد ذلك الرجل في تلك الرحلة الطويلة .
ولكنه صاحب ويعلم علم اليقين أن تعبه لن يضيع هباء فأمير المؤمنين العادل لن يزجره أو يرده خائباً أو يقول له على أقل تقدير سننظر في الأمر، هو يعلم أن شيئاً من هذا لن يحدث وإنما سيجد الانصاف.
وبالفعل استدعى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عمرو بن العاص وابنه للمثول بين يديه وعندما حضرا وتأكد من صدق القبطي قال لابن القبطي: اضرب ابن الأكرمين ثم قال: أدرها على صلعة عمرو، فما ضربك ابنه إلا بسلطان أبيه.
لكن ابن القبطي وفي سماحة من عرف أن حقوقه محفوظة في الإسلام وأن رئيس الدولة يجعله يقتص من ابن الوالي قال: يا أمير المؤمنين إنما أضرب من ضربني، ثم التفت عمر وقال لعمرو كلمته التي حفظها الزمان ولم تزل يتردد صداها بين الناس، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الكلمة التي قالها عمر بداهة، أصبحت تفتتح بها مواثيق وإعلانات حقوق الإنسان في هذا الزمان «إن الناس يولدون أحراراً متساوين» هذا ما جاء في المادة (1) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ونصه:
«يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء» ورد ذلك في كتاب «حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة» للشيخ محمد الغزالي رحمه الله، لمن أراد مزيداً من التوسع في هذا الموضوع.
أوردنا نموذجين فقط من نماذج عدة تؤكد أن العدل والمساواة حقيقة مطبقة في الإسلام فماذا عن الذين أصدروا إعلاناً لحقوق الإنسان عبر المنظمة الدولية؟ هل لبنود هذا الإعلان تطبيق على أرض الواقع؟ إن ما يجري من ظلم وافتراءات وجور وكيل بمكيالين يصرخ ويقول هذا المنصوص على الورق كذب صراح وتضليل.
قد يقول قائل: ولكن هذا يمارس بحق في بلادهم، الإنسان عندهم يتمتع بكامل حقوقه ما عدا التمييز العنصري، وما دام هناك تفرقة عنصرية على أرض الداخل عندهم فمعنى ذلك أن الحقوق مشروخة.
ما علينا، فلننظر في خارج حدودهم، جلبوا اليهود من كل حدب وصوب إلى فلسطين وأعانوهم على قيام دولة إسرائيل وهم يعلمون أن هذا غير شرعي ويتنافى مع الضمير الإنساني، ثم ماذا كان من إسرائيل الدولة المغتصبة؟
مدوها بما جعل لها أظافر وأنياباً، فعاثت فينا فساداً، ست حروب في المنطقة شنتها فقتلت من قتلت ودمرت ما طاب وشاء لها توحشها وحقدها الدفين. وليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل إن من زرعوا إسرائيل في المنطقة تحزبوا جميعهم ضد العالم العربي والإسلامي فعملوا فيه من البشاعات ما لم يستطع أن يفعله السابقون من أمثالهم.
وللحق والحقيقة لا نلوم هؤلاء الذين يضيعون حقوقنا فلا عدل ولا مساواة بيننا وبينهم، ذلك لأننا أضعنا هويتنا الإسلامية، فلم نعد نعيش الإسلام شرعة ومنهاجاً وسلوكاً، تغولنا على بعضنا البعض، ظلمنا أنفسنا، فهل ننتظر من الآخر ألا يظلمنا «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم» هذه هي الحقيقة، لا بد من العودة إلى الإسلام.