أوحى الله إلى داود: وعزتي وجلالي ما من عبد يعتصم بي دون خلقي ـ أعرف ذلك من نيته ـ فتكيده السموات والأرض بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً.... وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني - أعرف ذلك من نيتيه - إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأرسخت الهُويَ من تحت قدميه.
وما من عبد يُطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني..... ومستجيب له قبل أن يدعوني، وغافر له قبل أن يستغفرني» رواه أبو تمام، وابن عساكر، والديلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه (رضي الله عنه).
أن الله تعالى أوحي إلى داود عليه السلام أقسم بعزته وجلاله والعزة هي المنعة والقوة والعزيز هو الممتنع القوي الذي لا يغلب ولا مثيل له.
ولكي نعتصم بالله تعالى علينا أن نتعرف عليه جل في عُلاه لأنه هو الله أي تعني المألوه المعبود، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال.
أولاً ليزيد ثقتنا به تعالى واليقين بكل شيء عنه نحن محتاجون آلاف الكلمات لنتبحر في من الخالق أو الرازق فهو الله الاسم المفرد، العلم لذاته القدسية وإليه تستند الأسماء كلها فيقال إنه الاسم الأعظم ؛ فعن طريق القرآن الكريم فإنه تعالى يدعو عباده للتعرف عليه سبحانه من طريقين:
أحدهما النظر في مفعولاته أي التي تدل على الأفعال والأفعال الدالة على الصفات فإن فيها من المصالح والحكم والخير دال على حكمته تعالى، ومن المنافع والإحسان والخير الدال على رحمته، ومن البطش والانتقام والعقوبة الدالة على غضبه، ومن الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته، ومن الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته، ومن ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات فمفعولاته أدل شيء على صفاته.
والثاني: التفكر في آياته المشهودة وهذه آياته المسموعة المعقولة أي التدبر في آياته بحضور قلبي «أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» النساء82
أي من أراد الوصول إلى بر الخشوع فعليه أن يبحر في بحر التدبر، وأن يغوص في نهر الدموع... قال عز وجل «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْألْبَابِ» ص29.
ومن تدبر دمعت عيناه، ومن لم يجاوز القرآن حنجرته إلى قلبه قسا وأجدبت عيناه؛ وبكاء القلب هو التدبر الذي يورث الخشية، وبكاء القلب حتماً سيورث بكاء على التدبر ترديد الآيات وتكرارها.
جاء في الحديث « أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه يوماً:
أي المؤمنين أعجب إليكم إيماناً ؟ قالوا: الملائكة. قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ وذكروا الأنبياء، قال وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ قالوا: فنحن. قال وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟
قالوا: فأي الناس أعجب إيماناً ؟ قال قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها» ثم تلا قول الله تعالى: «ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم» أي ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد.
فقد أجمع الصالحون على أن الخير كله في أن يكلك الله إليه، والهلاك كل الهلاك في أن يُخلي بينك وبين نفسك، وهي نفس عاجزة لا تملك من أمر نفسها فضلاً عن أمر غيرها شيئاً، ظالمة تورد صاحبها المهالك وتلحق به المعايب، جهولة لا تعرف ما يضرها وما ينفعها، بل قد تعمل أعمالاً تظن أنها صلاح .
وهي عين الفساد بأن تتحرك في موضع السكون أو تسكن في موضع التحرك؛ فإذا علم المرء ذلك عن نفسه أدرك هول المحنة وعظم المصيبة إن لم يتداركه الله بعون فانطلقت صرخات استغاثته معلناً:« اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني لنفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت».