يختلف شهر رمضان هذا العام في الأراضي الفلسطينية عن ما سبقه من الأشهر الرمضانية التي تحمل للمسلمين الخير والرحمة والبركات والسبب هو استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب في الضفة وقطاع غزة وعمليات القتل والاغتيالات والاعتقالات وتدمير الوجود الإنساني للفلسطينيين وحرمانهم من أدنى الحقوق الآدمية مع شيوع الفقر، وبات خطر المجاعة يتربص بهم..
وهذه الأيام الرمضانية يعيش السكان أزمات طاحنة فيعيشون في ظلام 18 ساعة يوميا بلا كهرباء وبلا ماء وتتعطل الحياة المدنية والتجارية مع مواصلة قوات الاحتلال بفرض حصارها الفظيع عليهم فهم ممنوعون من الخروج من القطاع ولا حتى لأسباب مرضية أو إنسانية .
كما ان الاحتلال يمنع دخول مواد استهلاكية وبضائع للقطاع أو إخراجها منه مما أدى إلى غياب سلع أساسية عن السوق حتى الدواء وحليب الأطفال والمنتجات الزراعية ويمكن إدراك حجم هذه المأساة إذا تذكرنا ان قطاع غزة ليس له منفذ على العالم إلا بالمعابر تجاه إسرائيل ومصر فقط لا غير كما ان القطاع لا يملك أي موارد تحقق له الاكتفاء الذاتي مما يجعله يعتمد بالكلية على ما ينتج الغير سواء داخل اسرائبل أم بالاستيراد من الخارج.
.وهذا الحصار الاقتصادي والأمني يعني تنفيذ موت بطيء وانهيار البنية الفلسطينية وقلة الموارد ناهيك عن الأزمات المتكدسة لدى الفلسطينيين ومن أبرزها انعدام الأمن الشخصي..
فالصائمون في فلسطين المحتلة بدلا من أن يتناولوا طعام الإفطار على صوت مدفع الإفطار فإنهم يتناولون طعامهم على صوت صواريخ الأباتشي والدبابات والآليات الصهيونية التي تقتل وتدمر الحجر والشجر والإنسان، رغم ما يعانيه الفلسطينيون من معاناة وآلام وهم يوميا يذبحون ويقتلون..
إلا أن بهجة الشهر الفضيل لا يمكن أن تنتهي، فله عاداته وتقاليده المميزة. والدة الشهيدة علاء الدين الشريف الحاجة أم علاء الشريف، وهي داعية إسلامية، قالت: إننا في فلسطين نستقبل رمضان بكل بهجة وفرحة وترحيب فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا ينتظرون رمضان قبل ستة أشهر وهم يدعون «اللهم بلغنا رمضان» .
وبعد أن ينتهي رمضان كانوا يقولون: اللهم اغفر لنا ما كان منا في رمضان. أم علاء فقدت فلذة كبدها الشهيد علاء وهو الوحيد لها، فقالت ان ابنها علاء كان أحب لها من نفسها، ومع ذلك فهي تستقبل شهر رمضان هذا بكل حب و عزيمة فهو شهر التوبة والمغفرة وشهر الخير والبركات.
وأضافت أم علاء: أن الشعب الفلسطيني الذي يواجه أعتى الدبابات والآليات الصهيونية التي تدمر وتخرب وتقتل الإنسان والحجر والشجر، لابد له أن يسلم لأمر لله، وأن يقبل على شهر رمضان بعزيمة وإصرار على تحدي شارون وجنوده الصهاينة المحتلين.
ووجهت أم علاء كلمة عبر موقع «لها أون لاين» لكافة نساء العالم قائلة: إنه في هذا الشهر العظيم يتوجب علينا أن نصطلح مع الله وعلينا تذكر الأيتام والأرامل والثكلى والجرحى والمحرومين.
وعلى كافة نساء العالم أن يتذكروا أهل فلسطين المحتلة، وأهل أفغانستان وأهل العراق المحتل، فإنهم بحاجة إلى الدعاء لهم بأن ينصرهم الله وأن يفرج كربهم. أما زوجة الأسير عمر الغول، وهو أب لسبعة من الأولاد ومحكوم عليه مدى الحياة قضى منها 17 عاماً، وهي أم الأسير محمود وأم للشهيد عمران الغول، تقول:
«تأتي علينا الأعياد والمناسبات السعيدة ونحن في كرب شديد... هذه هي حياة عائلات الأسرى».. وتضيف أنها تتذكر في رمضان زوجها الأسير وولدها الشهيد فالحياة عندها صعبة جداً قائلة «ربنا مع الأسرى، ونسأله أن يفرج عنهم كربتهم».. وشكرت زوجة الأسير عمران الجمعيات الإسلامية الخيرية التي تقف بجانبها وتشد من أزرها وتقدم لها المساعدات في الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك.
الحاجة أم العبد، وهي أم لخمسة من الأبناء وأربع من البنات، تقول: شهر رمضان حلو وجميل ولكن الصهاينة يخربون علينا هذه البهجة وهذه الفرحة، فهي تذكر أن أول يوم في شهر رمضان من السنة الماضية كما هذا العام، بدأت الطائرات تدور بأجواء المنطقة وبشكل كثيف، إلا أن أطلق أحد الصواريخ تجاه أحد المواقع الفلسطينية، حيث كنا عندها في رعب وخوف.
تضيف أم العبد أن رمضان يبدأ قبل أيام حيث نبدأ بالتجهيز له، من حيث شراء حاجياته وأغراضه، وكل ما يلزمنا في هذا الشهر الفضيل، ثم نرتقب هلال الشهر وتكون فرحتنا كبيرة عندما يظهر هلال رمضان فنذهب مع نساء المنطقة لصلاة التراويح.
وتقول إنها هي وأبناؤها يجتمعون ليلة أول رمضان لتهنئة أبنائها وأحفادها بهذا الشهر وتدعو لتناول طعام الإفطار في أول يوم عندها، مشيرة إلى أن هناك أكلات مشهورة في رمضان وهي مثل «المقلوبة بالدجاج» ومثل «الفتة» و«أكلة المفتول» وأكلة المسخن، إضافة إلى القطايف. أما الحاجة تمام مصلح (60عاما) وهي تعيش في مركز الوفاء الخيري لرعاية المسنين، وليس لها أبناء.
ومن حبها للأبناء عملت على تبني طفل وطفلة وتربيتهما والإنفاق عليهم، تقول إن أيام رمضان ولحظاته جميلة، حيث يتجمع الأهل والأقارب ويتزاور الناس فيما بينهم وتسود بينهم في هذا الشهر والمحبة والألفة فهو شهر فضيل أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار..
وتضيف أن شهر رمضان يتميز عن غيره من الأشهر في كل شيء حتى في أوقاته، إلا أن الحياة عندنا في فلسطين تختلف عن أي بلد عربي فما يحدث عندنا، من جرائم وحروب واغتيالات من قبل الصهاينة، تطفو على السطح في شهر رمضان، وتقتل البهجة والفرحة في هذا الشهر الفضيل. الحاجة تمام مصلح تعيش في مركز الوفاء الخيري لرعاية المسنين.
حيث تقول إنني سأقضي أول رمضان لي في هذا المركز، والحمد لله يقدم المركز خدماته لنا بشكل عال وجيد، فالعاملون فيه يبذلون كل ما في وسعهم من أجل السهر على راحتنا. وللمركز في شهر رمضان فعالياته الخاصة من حيث حفلات الإفطار الجماعي وأيضا توزيع زكاة رمضان عليهم.
إضافة إلى توزيع الهدايا وكساء العيد عليهم، ويؤكد القائمون على المركز حرصهم الشديد، خاصة في شهر رمضان، على التعامل مع المسنين عندهم بطريقة مختلفة؛ نظرا لأن هناك عدداً من المسنين يشعرون بمشاعر غريبة؛ لأن أبناءهم لا يزورونهم، فالقائمون على المركز يحرصون حرصا شديدا على الاطمئنان بصورة دائمة على هؤلاء المسنين والجلوس معهم والحديث معهم.
أما الفلسطينية «رندة أحمد» وهي تعمل في القطاع الخاص فتقول «إن شهر رمضان يختلف عن غيره من الشهور؛ نظرا لما فيه من نفحات إيمانية كثيرة وخيرات جمة، حيث يتميز هذا الشهر الفضيل بالخير والبركة والفضل الكبير، لذا فاستقبال هذا الشهر يكون بالإقبال على فعل الطاعات والالتزام بعمل الخير وقراءة القرآن والابتعاد عن الفواحش وكل ما شأنه أن يشوب هذا الشهر الكريم».
وفي زاوية أخرى من المشهد الرمضاني الفلسطيني نلاحظ ان المعابر الحدودية مغلقة وأسواقاً تشكو الركود وأسعاراً مرتفعة كحرارة الصيف، والغذاء يوشك على النفاد، والرواتب مقطوعة والمدارس خاوية، والمكاتب بلا موظفين. هكذا هو حال أهالي قطاع غزة في إقبالهم على رمضان الضيف الكريم على الله تعالى، والموظفون مضربون عن العمل بسبب انقطاع رواتبهم نتيجة الحصار الخانق الذي تفرضه الدول الغربية على الشعب الفلسطيني منذ مارس الماضي.
وإن لسان حال جميع الغزاويين يتساءل «بأي حال يأتي رمضان» هذا العام. ويقول سالم من مدينة غزة يأتي رمضان هذا العام وغزة تعاني من الحصار الذي سيفقد الشهر بهجته. لا توجد رواتب.. وإغلاق المعابر مستمر.. والتجار سيستغلون هذا الإغلاق لاحتكار السلع الموجودة لديهم ورفع أسعارها.
وتابع: «الظروف التي نمر بها لا يعيشها أي شعب بالعالم.. الحصار من جميع الجهات علينا.. أفكارنا الآن تتجه صوب شهر الخير وكيف سنوفر متطلباته وحاجياته».
ورغم أن المحال التجارية في قطاع غزة تتزين استعداداً لاستقبال الشهر المبارك خلال أسابيع فإن التجار وضعوا أيديهم على قلوبهم خوفاً من ضعف الإقبال على الشراء. وتوقع حسن المدهون العامل بأحد المحال التجارية يشكو تراجع الحركة التجارية هذا الموسم مقارنةً بالأعوام الماضية.
وقال: أتذكر أن حركة المواطنين كانت تنشط قبل شهر من قدوم رمضان استعداداً له... بالتأكيد هذا العام سيكون الأسوأ فالظروف الاقتصادية التي تمر على الشعب الفلسطيني صعبة جداً ومن جانبه دعا محمد القدوة محافظ غزة أبناء الشعب الفلسطيني إلى تعزيز التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني بفعل الحصار.
شدد القدوة على ضرورة أن تعمل المؤسسات الوطنية والجمعيات الخيرية على زيادة الخدمات الاجتماعية والمساعدات التي تقدمها للمواطنين من أجل التخفيف عنهم. وبصوتٍ تمتلئ نبراته بالغضب والحنق، أكد ناهض فرج الموظف بإحدى المؤسسات الحكومية أن السلفة الأخيرة التي منحتها الحكومة الفلسطينية وقدرها (1400 شيكل) لم تسعفه في تحقيق رغبة أبنائه ال7 في الحصول على زي مدرسي جديد.
وقال: «تحولت طلبات أبنائي المقبلين على عامهم الدراسي إلى أحلام وكان بودي أن أحققها لهم جميعاً إلا أنني لم أتمكن، حيث ذهب معظمهم بالزى القديم». بينما اعترف خالد رجب أنه دائم التفكير بكيفية توفير النقود ليتمكن من شراء اللوازم المدرسية من كتب وأقلام ودفاتر. وتابع: «متطلبات الدراسة يومية عدا مصروف أولادي ال8.. والتفكير يكاد يصيبني بالجنون».
غزة ـ ماهر إبراهيم:
