بغض النظر عن الدلالة الحقيقية لما طرحه بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر في محاضرته الشهر الماضي أمام إحدى الجامعات الألمانية، فإن ردة الفعل على الجانب الآخر، إنما تكشف عن أزمة كامنة ومستفحلة تحكم علاقات العالم الإسلامي مع الغرب.
وهى أزمة تكشف عن مدى الحساسية التي وصل إليها المسلمون بشأن أي شيء يصدر عن الغرب بشأن الإسلام. الأمر الذي يعكس ما أشرنا إليه سابقا بشأن أزمة سوء الإدراك المتبادل من قبل الطرفين، وهى الأزمة التي تولد آليتها الذاتية ما يمكن معه ضمنا توقع أن تثور أزمات أخرى مجددا في المستقبل القريب.
ما نود الإشارة والتأكيد عليه أن أزمة تصريحات البابا بنديكت تعد في أحد جوانبها عرضا لأزمة أكبر تكمن في طبيعة نظرة كل طرف من العالمين الإسلامي والغربي للآخر.
لا ينفي ذلك بالطبع إمكانية وجود مؤاخذات على موقف البابا، غير أن الإطار الذي نضع فيه القضية هنا ينتهي بنا إلى التأكيد على أنه لو أن هذه التصريحات صدرت من مرجعية أخرى ولو تكن إسلامية مثلا، أو حتى غير غربية لما أثارت كل هذه الضجة، خاصة في ضوء أنها جاءت في سياق محاضرة علمية من المفترض أن مضمونها موجه إلى النخبة سواء من شهد المحاضرة أو من لم يشهدها، وتعكس رؤى تعد مثار نقاش طويل على مدى تاريخ علاقات العالم الإسلامي مع الغرب.
غير أن التناول الموضوعي يقتضي الإشارة إلى أن تصريحات البابا لم يكن لها لتفهم سوى على النحو الذي فهمت به في عالمنا الإسلامي. فمن ناحية جاءت التصريحات متواكبة مع الذكرى الخامسة لأحداث سبتمبر وهى الذكرى التي يعيد الغرب خلالها العزف على نغمة الربط بين الإسلام والعنف أو الإرهاب، ما قد يحمل ضمنا مسايرة هذه النغمة.
من ناحية ثانية فإن السياق الذي طرح فيه البابا تناوله لما يتعلق بالإسلام جاء في إطار ينتفي عنه الحياد. فرغم حرصه على التأكيد على أنه مجرد ناقل، إلا أنه لم يبد رأيا بالتحفظ على ما أورده، وهنا فإن السكوت عن التأييد يعد تأييدا.
من جانب ثالث فإن البابا، وفي إطار المناقشة الهادئة لما أورده، لم يلتزم الأمانة العلمية في النقل، فشهادة الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغس التي أوردها عن الإسلام مجروحة، حيث ان طبيعة العلاقة التي كانت تحكمه بالدولة العثمانية، وهى الممثلة للإسلام في ذلك الوقت.. أوائل القرن الخامس عشر الميلادي، كانت علاقة تبعية شعر معها بالقمع الوضع الذي كان يبدو معه أنه غير قادر على الانفكاك من أسره.
وهو الأمر الذي لم يتحقق سوى بهزيمة بايزيد السلطان العثماني آنذاك على يد تيمور لنك ما أدى إلى عودة الإمبراطور مانويل إلى عرشه القسطنطينية التي سقطت بعد ذلك بنحو نصف قرن.
من جانب رابع فقد كانت الحنكة تقتضي ألا يصدر مثل هذا الموقف، بغض النظر عن تحميله بدلالات قد لا تكون فيه، عن أعلى مرجعية دينية في الغرب، وسط المناخ الشائك الذي يسود أجواء العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي وينتظر أي شرارة لتشتعل النار فيه.
ربما لم يقصد البابا الإساءة، وهو أمر وارد على كل حال، وإن كانت المؤشرات تقلل من احتمالية هذا الأمر، وربما يعود خطأه إلى عدم استعانته بمستشاريه في إعداد مثل هذه الخطب، كما ذكرت بعض المصادر، غير أنه يبقى من ركام هذه الأزمة نقطتان يجب التوقف عندهما:
الأولى تتمثل فيما ما أشار إليه البعض في الغرب في رد على الغضب الإسلامي من أن الإسلام يجب ألا يكون فوق مستوى الانتقاد، وهو ما يعكس اختلافا حول مفهوم حرية التعبير وضوابطه، الجانب الذي أشرنا إليه في حلقة سابقة، وسيظل وقود لأزمات عديدة مستقبلية.
النقطة الثانية تتمثل فيما ذهب إليه رئيس الكنيسة الكاثوليكية في أستراليا جورج بيل والذي كان له دور في اختيار البابا من أن رد الفعل العنيف على تصريحات بنديكت إنما تبرر أحد المخاوف الرئيسية لدى البابا وهو ما يعني أن هناك مخاوف كامنة قد لا يكون ما جرى في المحاضرة المشار إليها سوى تعبير عنه، وذلك هو جوهر الأزمة الذي نقصده.
مصطفى عبد الرازق
