لم يحظ قارئ للقرآن الكريم مرتلاً ومجوداً كما حظي القارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي لقب ب«صوت مكة» الذي قرأ القرآن في الحرم المكي والمسجد النبوي والمسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي بالخليل في فلسطين، والمسجد الأموي في دمشق، ونظراً لشهرته الواسعة نال العديد من الأوسمة والنياشين.
كما اختير كمحكم في العديد من المسابقات وتولى رئاسة النقابة الخاصة بحفظة القرآن الكريم، وساهم في رعاية مصالحهم وحل مشكلاتهم.. نشأ في أسرة قرآنية تمكن أفرادها من كتاب الله حفظاً وتلاوة، ولد الشيخ عبدالباسط محمد عبدالصمد وعاش في قرية «المراعزه» التابعة لمدينة أرمنت بمحافظة قنا بجنوب مصر.
كان الجد الشيخ عبدالصمد من الورعين الذين شهد لهم بالتمكن من حفظ القرآن وتجويده، وكان الوالد هو الشيخ محمد عبدالصمد، أحد المجودين للقرآن حفظاً وتجويداً وشقيقاه محمود وعبدالحميد كانا يحفظان القرآن بالكتّاب فلحق بهما أخوهما عبدالباسط وهو في السادسة من عمره، وهناك استقبله الشيخ المسؤول عن تحفيظ القرآن بالكتّاب بالحفاوة والترحاب لأنه توسم فيه النبوغ والاتقان والالتزام.
وكان عبدالباسط الطفل يتمتع بالهدوء والسكينة والوقار والقدرة الهائلة على الحفظ والإجادة بالإضافة لسرعة استيعابه ودقة تحكمه في مخارج الألفاظ والوقف ناهيك عن عذوبة الصوت وحلاوته، فهام الشيخ بتلميذه تعلقاً وحباً وظل يعلمه حتى أتم حفظ القرآن قبل سن العاشرة وتحول الفتى لقارئ صغير يتلو آيات القرآن الكريم على زملائه في الكتاب وتوقع له الجميع مستقبلاً عظيماً في ظل كتاب الله الكريم، حتى أن أهل أرمنت، أطلقوا عليه لقب الشيخ وهو في الثانية عشرة من عمره، وأصبح الشيخ عبدالباسط حديث أهل المنطقة كلها وتناقلت أخباره القرى المجاورة.
أتقن علوم القرآن والقراءات على يد الشيخ «محمد سليم» الذي انبهر بمستوى تلميذه المتميز في مثل هذه السن المبكرة، فانهالت عليه الدعوات من كل مدن وقرى محافظة قنا بمساعدة الشيخ محمد سليم والذي زكى الشيخ عبدالباسط في كل مكان يذهب اليه، ودعي لإحياء العديد من المناسبات الدينية المختلفة في مدن الصعيد وقراه، واشتهر شهرة كبيرة وخاصة في بلاد الوجه القبلي.
وفي عام 1950 سافر الشيخ عبدالباسط إلى القاهرة مع أحد أقربائه ليحضرا معاً أحدى المناسبات الدينية الخاصة، والتي أحياها عمالقة القراء في ذلك الوقت كالشيخ الشعشاعي والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ أبو العينين شعيشع..
وفي تلك الليلة التي تجمع فيها العشرات الذين أرادوا الاستمتاع بنفحات دينية معطرة.. استمعوا كذلك لتلاوة عطرة من سورة الأحزاب تلاها الفتى الموهوب الشيخ عبدالباسط عبدالصمد.. حتى أن المستمعين انفعلوا كثيراً مع الأثر الذي تركته هذه التلاوة العطرة وطالبوا منه الإعادة.. وأصبح من هذه الليلة حديثاً لكل الناس وخاصة مشاهير القراء الذين نصحوه بتقديم أوراقه للإذاعة المصرية ليتم اعتماده فيها كأحد القارئين الرسميين بها.
وبالفعل ساعده الشيخ الضباع وقدم تسجيلاً لتلاوة الشيخ عبدالباسط في هذه الليلة المباركة للجنة الإذاعة فانبهر الجميع بحلاوة التلاوة وعمق أثرها وتم اعتماد الشيخ عبدالباسط بالإذاعة في نهاية عام 1951 ومن هنا بدأت رحلة الشيخ عبدالباسط مع القرآن الكريم الذي نقله بصوته عبر الأثير إلى كل بقاع الأرض.
صوت مكة
اشتهر القارئ عبدالباسط عبدالصمد بين الناس بالأخلاق الكريمة والصدق في المعاملة، وعزة النفس المستمدة من كتاب الله وآياته، كان عاقلاً، حكيماً، متروياً، متدبراً، حريصاً كل الحرص على مظهره ووقاره وجمال طلعته وهيئته لأنه كان يعلم أنه سفير للقرآن.. وصاحب له ودائماً ما يكون محل الأنظار. كان خلقه القرآن..
صابراً وفياً، مخلصاً، يراعي مشاعر الآخرين ويحافظ على خصوصيات المحيطين به، لم يقلل من شأن أحد، كان يقدم من معه ويؤثره على نفسه، أدرك بإحساسه العميق أنه ناقل لكلام الله فخاطب عقول الناس ودغدغ مشاعرهم وأحاسيسهم بأدائه العذب وصوته الرخيم، فنفذ إلى قلوبهم وحثهم على الخضوع والتذلل لله رب العالمين. بدأ عبدالباسط رحلته الإذاعية في رحاب القرآن الكريم منذ عام 1952 فبدأ الناس يعرفونه ويتعلقون به..
وانهالت عليه دعواتهم الكثيرة من كل أنحاء العالم يطلبون منه أحياء احتفالاتهم المختلفة، أو من أجل الاحتفال به شخصياً وكان وجوده في أي دولة يعد مناسبة خاصة يستحق الاحتفاء بها..
وكانت هذه الحفاوة تظهر واضحة من خلال استقبال شعوب الدول له استقبالات رسمية على مستوى القيادة والحكومة والشعب، ففي جنوب أفريقيا أثناء زيارته لها أرسل له وفد إعلامي من رجال الصحافة والإذاعة لإجراء لقاءات معه وحوارات دينية مطولة، يسألونه عن رأيه في قضايا بلادهم، وفي باكستان استقبله الرئيس الباكستاني بنفسه ليصافحه على أرض المطار، وحين سافر لاندونيسيا وقام بقراءة القرآن في أحد المساجد العاصمة جاكرتا تجمع حوله المصلون.
. وامتلأت جنبات المسجد بالحاضرين حتى تناثر الواقفون لمسافة كيلو متر مربع خارج المسجد وبلغ عدد الواقفين في ساحة المسجد أكثر من ربع مليون مصلٍ استمعوا اليه حتى فجر اليوم التالى.
وسافر القارئ عبدالباسط عبدالصمد للسعودية لأداء فريضة الحج بمصاحبة والده عام 1952 وطلب منه المسؤولون أن يسجل عدة تسجيلات خاصة للمملكة العربية السعودية ويتم بثها عبر موجات الأثير الإذاعية.. وبالفعل نفذ الشيخ عبدالباسط ما طلب منه وقدم اليهم عدداً من التسجيلات العطرة كانت أشهرها تلك التي تلاها في الحرم المكي والمسجد النبوي المباركين حتى لقب بعدها «بصوت مكة».
ومن الحرم المكي المبارك سافر الشيخ عبدالباسط إلى العديد من دول العالم المختلفة وقرأ القرآن في كثير من المساجد المشهورة كالمسجد الأقصى في القدس، والمسجد الإبراهيمي بالخليل في فلسطين والمسجد الأموي في دمشق وكذلك عدد من مساجد الهند ولندن وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، وكانت صورته وأخبار زيارته لهذه الدول تتصدر العناوين البارزة لأشهر صحف هذه البلاد، مما يدل على مكانته الرفيعة في قلوب سامعيه في كل مكان.
اشترك الشيخ عبدالباسط عبدالصمد في كثير من المسابقات الدولية وكان يفوز دائماً بالمركز الأول كل مرة، كما شارك كمحكم في عديد من هذه المسابقات، كما تولى رئاسة النقابة الخاصة بحفظة القرآن الكريم وقرائه وساهم في رعاية مصالحهم وحل مشكلاتهم والبحث في شؤونهم وخاصة الراحلين منهم الذين تركوا من خلفهم أولاداً وأحفاداً.
ويعتبر الشيخ عبدالباسط عبدالصمد القارئ الوحيد الذي حظي بتكريم عظيم لم يحصل عليه أحد بهذا القدر من الشهرة والمنزلة التي أتيحت له كقارئ متميز تربع على عرش تلاوة القرآن الكريم وتجويده وإظهاره لما يقرب من نصف قرن من الزمان، تمتع فيها بحب الناس جميعهم وثقتهم الشديدة فيه واحترامهم له.
ففي عام 1956 كرمه الرئيس السوري ومنحه وسام الاستحقاق ومن لبنان حصل على وسام الأرز، ومن ماليزيا نال الوسام الذهبي وعديد من الأوسمة من المغرب والسنغال وكرمه الرئيس المصري محمد حسني مبارك بمنحه وساماً خاصاً في ليلة القدر.
وفاة الشيخ عبدالباسط ولأن لكل شيء نهاية، أسلم الشيخ عبدالباسط عبدالصمد الروح في 30 فبراير عام 1988 ليصبح هذا ليوم من كل عام بمثابة يوم تكريم لهذا القارئ المتميز وليذكر المسلمين بقارئ عظيم من حملة القرآن الكريم رتل القرآن وقدم رسالته بكل أمانة وإخلاص.
القاهرة ـ خالد محمد غازي :
