بكثير من الاجتهاد في البحث والتجريب، يحاول حفدة الفنان العربي المسلم، إعادة الألق إلى الوسائل التعبيريّة التي ارتبطت بالفن العربي الإسلامي، خصوصاً الحرف العربي، أو بتعبير آخر:

الكتابة العربية التي يشتغل عليها الآن، عدد كبير من الفنانين التشكيليين العرب والمسلمين، انضووا تحت اصطلاح (الحروفيين) وكل واحد منهم يحاول استنباط القيم الجماليّة والتشكيلية والتعبيرية الكامنة فيها، وتوظيفها في منجز بصري معاصر، ينتمي إلى التراث والعصر في آنٍ معاً. الفنان التشكيلي السوري سعيد نصري واحد من هؤلاء الذين أوقفوا تجربتهم الفنية على معطيات الحرف العربي، وتجليات الكتابة العربيّة التشكيليّة والتعبيرية، معتمداً كلياً على الخط العربي بكافة طرزه وأنواعه ومنها: الكوفي، الديواني، الثلث، والحديث، في التعبير عن أصالة هذا الخط الذي يمكن بلورته بحرية مطلقة، حسب الشكل والتكوين المطلوب.

الفنان نصري من مواليد القامشلي في سورية عام 1941. درس الفن دراسة خاصة. يعمل في مجال الرسم والتصوير والتصميم والنحت. عمل في مديرية الفنون الجميلة بوزارة الثقافة السورية.كما درّس الخزف في مركز الفنون التطبيقية بدمشق. أقام العديد من المعارض الفردية في سورية وعدة دول عربية منها: الإمارات العربية المتحدة، السعودية، البحرين ... وغيرها. بخبرته الجرافيكية الطويلة والعميقة، أدرك الفنان سعيد نصري كافة الخواص التعبيرية الصوفية الروحية، والخواص التزيينية التطبيقية، التي يتمتع بها الخط العربي، فعمل على استنهاضها في عمل تشكيلي مسطح ومجسم جديد، يجمع بين كلاسيكية تراثيّة، وحداثة بصرية تقنية، هي نتاج طبيعي لثقافته البصرية، وتجاربه المتواصلة، في أكثر من لون وجنس تشكيلي وتطبيقي.

ففي مجال اللوحة، يمزج بين جماليات الخط العربي الكلاسيكية المحروسة بالقواعد، وبين قيم لونيّة متدرجة، تسبح فوقها الحروف والكلمات، باحجام مختلفة، وبألوان قوية بارزة. إذ يأتي اللون البرتقالي فوق الأخضر، والأحمر فوق الأزرق.

وهذا التباين اللوني الحاد، يمنح لوحته بعداً زخرفياً إعلانياً واضحاً، إلى جانب البعد الفكري والروحي المتمثل في المعنى الذي تؤديه النصوص المبثوثة في جسد اللوحة، ضمن تكوين مدروس كإيقاع وكحركة، وقد أسعف الفنان سعيد نصري في عمله، إتقانه للخط العربي (الثلث خصوصاً) وخبرته الجرافيكية التوليفية خطاً ولوناً.

وما يُقال في اللوحة، يقال في الأعمال المجسمة النصبية الطابع، مع ملاحظة تحلل الفنان فيها، من كلاسيكية الخط العربي وقواعده، لصالح نزعة حداثية واضحة، وهذا ما فعله أيضاً، في عدد من اللوحات، لصالح نزعة تجريدية هندسية يتألق فيها التكوين المتماسك والموحي.

د. محمود شاهين