صورة المسلم في الغرب تم تأصيلها عن طريق وسائل الإعلام الغربية على أنها شخصية صلبة متطرفة لا تُقبل على الحوار والتفاهم، والجمود مسيطر عليها بشكل لا يمكن تغييره، ومن هنا كان من الضروري على دعاة ومفكري العالم الإسلامي السعي وراء التأكيد على ضرورة التجديد في مختلف القضايا الإسلامية.

وذلك يتحقق باتباع أساليب التجديد التي لا تمس ثوابت وأصول الشريعة الإسلامية، فالتقدم الذي يشهده العالم في الآونة الأخيرة في مختلف أمور الحياة العملية والعلمية، والتغير الذي يحيط بنا يتسارع في خطاه ويرتب تبعات خطيرة للغاية. ومما يبعث على القلق ما يروجه الإعلام الغربي عن جمود الفكر الإسلامي، فالحديث عن إثبات النسب مثلاً عن طريق ما استجده العلم من وسائل علمية حديثة كالحامض النووي لا يزال مستمرًا والخلاف فيه قائم بين أنصار الأخذ به كوسيلة لإثبات النسب ورافض الاعتداد به كأمر مستجد لا أصل له في أصول الفقه الإسلامي، وغير ذلك الكثير من الأمور المستحدثة التي يجب أن يعير لها العلماء المفكرون الاهتمام البالغ لتكون الأحكام الصادرة تتناسب ومتغيرات الزمان والمكان..

وحول قضايا التجديد في الفكر الإسلامي وحتميته ومجالاته وضوابطه ومستقبله في ظل الحداثة والقضايا المعاصرة، تستعرض «وكالة الصحافة العربية» آراء بعض علماء الأمة في مختلف الأقطار الإسلامية محاولة وضع الأسس والضوابط لهذه القضية الشائكة.

يقول د. عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في قضية التجديد إننا نعيش في عالمنا المعاصر مجموعة من المتغيرات الهائلة التي توجب أن يستحدث لها أقضية وأحكام تتناسب ومتغيرات الزمان والمكان، مثال ذلك قضايا الأقليات المسلمة التي يقرب تعدادها من ثلاثمئة مليون يعيشون مغتربين خارج ديار الوطن الأم في ظل رعوية غير إسلامية.. ما هو حكم إقامتهم بهذه البلاد وكيف يمارسون شريعتهم. ولماذا لم نجد من هذه الأقليات من يحسن فتواهم؟

وأضاف أن من أهم المتغيرات التي توجب الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي ما أحدثته ثورة العلم من الاستنساخ للنبات والحيوان وتمضي الآن في محاولات لاستنساخ الإنسان ونقل الأعضاء الآدمية واستئجار الأرحام والاعتراف بموت الدماغ.

ويتساءل د. عبد الصبور قائلا: ما هو الموقف الأخلاقي منها بين الإقرار والإنكار فلو أنكرنا سنكون مغالطين للواقع المشهود من منجزات العلم، ولو أقررناهم على استنساخ الإنسان، فهل يكون ذلك تحديا لقدرة الله؟

ومن هذا المنطلق يعد الاجتهاد في مثل هذه الأحوال ضرورة من ضروريات الحفاظ على إحدى التعليمات الخمس التي قررتها شريعتنا، ولذلك فإنني أرى أن التجديد والاجتهاد يوشك أن يكون فرض عين على كل المسلمين.

كما أنه من المسائل التي تفرض علينا ضرورة الاجتهاد والتجديد ما طرأ على أساليب الجهاد في سبيل الله من تطور كان من بعض مستجداته أن يحزم المجاهدون أنفسهم بالمتفجرات ثم يقومو بتفجيرها وتفجير أنفسهم معها في أكثر أماكن العدو ازدحاما على نحو ما يفعله المجاهدون الفلسطينيون ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وفي رأي د.عبد الله عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي إن التجديد من سنن الإسلام، حيث قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها وبعثة الأنبياء نفسها كانت من أجل تجديد الدين في النفوس».

مشيراً إلى أن المسلمين اليوم في أمس الحاجة إلى مشروع لنهضة العالم الإسلامي خاصة في تلك المرحلة الحاسمة التي يتكالب عليهم الأعداء من كل جانب وتزداد عليهم المصائب والفتن مما يعوقهم عن النهضة والتقدم.

وأضاف التركي إن موضوع التجديد في الفكر الإسلامي موضوع حيوي ومرتبط بثقافة المسلمين وعلومهم ويقصد به ما يعيد للأمة في مجموعها هويتها الدينية وينمي فيها الاعتزاز بدينها وهذا يستلزم أن ينهض العلماء بالاجتهاد في علوم الدين على تنوعها واتساع آفاقها كما نهض أسلامهم في مختلف العصور وكان منهاجهم في ذلك تحديد مصادر التجديد في القرآن الكريم والسنة المطهرة والفقه الإسلامي باعتباره فهماً للدين وواقع الحياة.

وأشار إلى ضرورة أن تتوافر لمن يمارس مهمة التجديد الأدوات الصحيحة لفهم الإسلام ومعرفة بلغته العربية وبأصول التفسير والحديث والفقه وأن يكون لديه فهم بالواقع الذي هو مجال التطبيق وأن تكون لديه القدرة في عرض الحقائق الدينية وتزيينه للناس حتى يظل متجدداً.

ويرى أن للتجديد خصائص لا يتحقق بدونها من أهمها صحة مناهجه والموضوعية فيه والثبات أمام مقاومته والنظرة المتكاملة للنجاح فيه باعتباره برنامج عمل ينبغي أن تتحقق آثاره الإيجابية في حياة الناس وتجديد ثقتهم في دينهم وأنه مصدر عزهم .

ولن يكون ذلك إلا بغرس عقيدة الإسلام الصحيحة في النفوس من خلال المناهج التعليمية ووسائل الإعلام والثقافة وإقامة فرائض الدين وأحكامه في المجتمع مما يحقق للأمة أمنها الفكري والاجتماعي، ومن أبرز الأمثلة على أثر التجديد في حياة الأمم ما أحدثه الإسلام من تجديد في نفوس أبناء الجزيرة العربية على يد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب.

أدوار مختلفة

المفكر الإسلامي د. صوفي حسن أبو طالب يشير إلى أن موضوع الوسطية يعد أساسًا للتشريع الإسلامي، حيث شهدت البلاد الإسلامية تحولا جذريا في نظمها القانونية وحلت النظم القانونية الأوروبية ذات الأصل اللاتيني محل الشريعة الإسلامية التي كانت تحكم البلاد.

ويرى د. صوفي أن التشريع في الإسلام يقصد به استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ويميز الفقهاء بين الشرع المبتدأ وهو لا يكون إلا من الله ورسوله متمثلاً في الكتاب والسنة وأحكامها ملزمة للناس وبين بيان لحكم تقتضيه شريعة قائمة وهو ما يعرف بالاجتهاد أو الرأي، وقد مر ذلك بعدة تطورات تبعا للأدوار المختلفة للفقه الإسلامي وتتميز الشريعة الإسلامية بأنها وسطية المقاصد التي تدعو إلى التيسير والابتعاد عما يشق على الناس.

ويؤكد أنه من آثار الوسطية في التشريع الإسلامي أنها تدعو إلى مجتمع متوازن يراعي كافة النوازع التي تنفعل بها النفس البشرية وتوفق بين مصالح الفرد والجماعة ويعتبر الإيمان أهم مقومات الوسطية الإسلامية وهو ما يميزها عن الشرائع الأخرى.

حيث جاء الإسلام بتنظيم شامل لأمور الدين والدنيا معا وهو يختلف في ذلك مع المسيحية التي فصلت بين الدين والدولة، وأن دائرة الخطاب القانوني في الشرائع الغربية اقتصرت على بعض قواعد السلوك داخل المجتمع أما الشريعة الإسلامية فإنها تضع الدين على رأس المصالح الضرورية التي لا غنى عنها للمجتمع، وهذه الغاية المثالية للشريعة هي التي أدت إلى عدم الفصل بين القواعد القانونية والأخلاقية والدينية اعتمد عليها الفقهاء في بناء كثير من القطريات القانونية في الفقه الإسلامي.

وبذلك يختلف الفكر الإسلامي عن الفكر الغربي الشيوعي والفردي، فالفكر الشيوعي يقوم على التفسير المادي للتاريخ ويعادي الدين مناديا أن لا إله إلا المادة والمذاهب الغربية تقف موقفا محايدًا من الدين وكلاهما يجعل الإنسان أسيرا لمكانة الدنيا وحدها.

ويضيف: إن مبدأ تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الزمان من المبادئ المسلم بها في الفقه الإسلامي حيث تعدلت بعض الأحكام، فالإمام الشافعي غير بعض آرائه بعدما انتقل إلى مصر حيث اختلفت الظروف البيئية وكان تغيرًا كبيرًا لدرجة وصف مذهبه بالعراق بالمذهب القديم ومذهبه بمصر بالمذهب الجديد.

إسدال الستار

ومن جهته، يقول د.أحمد كمال أبو المجد المفكر الإسلامي: إنه لم يكن غريبًا أن يعرف تاريخ الثقافة الإسلامية وتاريخ الفقه الإسلامي بصفة خاصة تيارين متقابلين يميل أولهما إلى المحافظة الشديدة، وفريق آخر يميل إلى التجديد.

وقد آن الأوان لإسدال الستار على تلك الثنائية التقليدية التي سممت الحياة الفكرية لملايين المسلمين، لذلك كان لابد من التجديد الذي به خلاص هذه الأمة بإعادة العقل إلى عرشه من خلال رسم مداخل للتجديد نوجزها في: تصحيح التصور العام للإسلام والمسلمين، فالإسلام خطاب ودعوة بلغها أنبياء الله والمسلمون هم خلق الله.

«وكالة الصحافة العربية»