المستشار طارق البشري أحد المفكرين الإسلاميين، أصحاب الرؤى العصرية المستنيرة في مختلف قضايا الفكر الإسلامي، ذلك الفكر الذي يراه يعترف بالعروبة ولا يخلق تناقضا بين الوطنية والإسلام، ويسمح بالتجديد والاجتهاد بصورة تضمن الاستجابة للتحديات التي يفرضها الواقع في مرحلة زمنية معينة.
في حواره مع (وكالة الصحافة العربية) أكد أن العنف والتطرف ليسا مترادفين ولا ينقضي أحدهما للآخر بالضرورة، وأن أي فكر أو تيار أو مذهب يمكن أن يحمل في طياته إمكانات تطرف أو اعتدال وعنف.مشيرا إلى أن ما يواجه الأمة الإسلامية، في العصر الحديث هي مشكلة الدفاع عن الحوزة الإسلامية وإزالة الأخطار الخارجية التي تواجه الأمة الإسلامية. وأضاف: إن القيم الإسلامية لم تهم في إصلاح أحوال المسلمين فحسب، بل يرجع لها الفضل كاملاً في إقامة الأمة الإسلامية، هذه القضايا وغيرها كانت موضوع الحوار:
تشهد المنطقة العربية أزمة على الصعيد الإنساني نتيجة العدوان الإسرائيلي الغاشم على الشعب اللبناني والفلسطيني وذلك بمباركة أميركية لاشك فيها..
* هل ترى مثل هذا العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركيا حلقة جديدة من مسلسل الصراع الإسلامي ـ العربي؟
ـ الغرب بشكل عام يسعى لستر صراعه مع الشرق في كونه صراعاً ثقافيا إلا أن هذه الغطرسة الإسرائيلية المدعومة ـ على حد وصفك ـ أميركيا تؤكد بما لا يترك مجالاً للشك أن صراعنا مع الغرب أمر بات ضرورة خاصة هذا الغرب الذي يدعم مصالحه بدون النظر إلى مصالح الآخر، لذلك دائما أقول إن الحروب الأميركية في المنطقة العربية والإسلامية ستكون بداية النهاية للإمبراطورية الأميركية، وسيكون من أهم نتائجها انتهاء القطبية الأحادية، لتظهر أقطاب أخرى مع أميركا لتعود القيادة الجماعية إلى العالم وتنتهي ظاهرة الهيمنة الأميركية.
وهذا ما بدا واضحا من خلال الاختلاف البين بين بعض القوى الأوروبية كفرنسا وألمانيا من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى إبان السعي الدبلوماسي للوصول إلى تسوية سلمية للحرب الإسرائيلية اللبنانية حيث فشل الجانب الأميركي في إقناع فرنسا بوجهة نظره ولمساعيه وراء إفساح الطريق للجيش الإسرائيلي للانتهاء على مقدرات حزب الله الممثل الشرعي للمقاومة اللبنانية.
ولا تزال فرنسا تصر على موقفها الذي يتمثل في الوقف الفوري للهجمات الإسرائيلية على الشعب اللبناني وبعد ذلك التباحث في مسألة وجود قوة دولية على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية.
عزلة سياسية
* وكيف تقيم الموقف العربي تجاه الغطرسة الإسرائيلية في تعاملها مع الشعب اللبناني؟
ـ بصراحة شديدة، هناك فصل بين الموقف الرسمي الصادر عن الحكومات العربية الذي أصابه الفرقة والانقسام بين داعم لموقف حزب الله ومعارض لما قام به من إجراءات من شأنها إرغام إسرائيل على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، إلا أن الموقف الشعبي جاء قويا داعما لحزب الله الذي استطاع أن يجسد الآمال العربية والإسلامية المتمثلة في كسر شوكة الجيش الإسرائيلي والوقوف أمام توسعاته غير الشرعية في الأراضي العربية.
وإن كانت هذه المواقف يغلب عليها الطابع العاطفي اللصيق بالشعوب الشرقية بشكل عام، حيث لم تتبلور عن نتائج ملموسة على الأرض غير تلك التبرعات التي تم جمعها لمد يد العون للمنكوبين في لبنان، وربما يكون ذلك ناتجاً في الأساس عن العزلة السياسية التي يعيشها الشارع العربي والابتعاد الكبير للمواطن العربي عن مراكز صنع القرارات السياسية.
* وما السبيل المناسب لرجل الشارع لنصرة القضية اللبنانية والعراقية والفلسطينية بشكل عملي بعيداً عن الانفعالات العاطفية؟
ـ إن إعادة الاعتبار لخيار الجهاد والمقاومة بمختلف أنواعها هو السبيل الوحيد لوقف مغامرات التيار المسيحي ـ الصهيوني اليميني المتشدد في أميركا.
ويضاف إلى ذلك تكثيف وتواصل الدعم العربي لكل المجاهدين في لبنان وغيرها من مناطق الصراع ضد هذا التطرف اليميني سواء جاء هذا الدعم سياسياً أو عسكرياً، لأن ذلك كله من شأنه دفع أميركا إلى التراجع عن تحقيق مطامعها الاستعمارية في المنطقة العربية. لا تناقض بين القومية والإسلام.
* يثار جدل واسع حول التعارض بين فكرة القومية من حيث كونها عربية أو إسلامية.. فما رأيكم في هذه القضية؟
ـ التناقض ليس في الجماعة الإسلامية، والجماعة العربية كجامع سياسي أو كجامع حضاري، ولكنه يثور عندما تتضمن الدعوة إلى القومية العربية العنصر العلماني، وهذا يحدث أحيانا فمن يتكلمون عن العروبة، ويريدون أن يصوغوها على أساس أنها جماعة علمانية، وأنه يتعين على فكرة الوحدة العربية أو وحدة العروبة أن تنحي الدين جانبا، كأساس لمرجعيتها السياسية والاجتماعية والعقيدية والسلوكية.
ويثور الخلاف بسبب الفكرة العلمانية، لأن الفكر الإسلامي يعترف بالعروبة وأغلب المفكرين المحدثين كالشيخ الغزالي والدكتور القرضاوي وقبلهما رشيد رضا كانوا يعترفون بالعروبة من موقع إسلامي، وهكذا كانت المعارضة أساساً تتعلق بالصبغة العلمانية التي تريد أن تحصر العروبة في نطاقها.
وأتصور أن هذه النقطة أيضاً ثارت وأدت إلى مشكلة في الخمسينات والستينات بين المفكرين الإسلاميين ذاتهم، وعلينا أن نكون منتبهين إلى أن مشكلة الفكر الإسلامي ليست مع الدعوة إلى العروبة دائما ولكن مشكلته مع الوصف العلماني الذي يراد أن يلصق بالعروبة، وعلينا أن ننحي هذا الوصف عن العروبة، وبذلك يمكن أن نحقق نجاحا في دعم أوضاع المشاركة بين القومية بوصفها إسلامية وعربية.
* وهل هناك تناقض بين الانتماء للأمة الإسلامية، والتكوين الوطني والإقليمي في نطاق قومية من القوميات؟
ـ أتذكر هنا عبارة قالها في أوائل السبعينات أحد السياسيين الكبار في لبنان وهو الأستاذ منح الصلح وهو وطني لبناني سني وليس من التيار الإسلامي، قال:
«إن الإسلام وطنية، لأنه دائما سيقودنا إلى القدس» وأتذكر هذه العبارة جيداً لأن عبارة الإسلام أخرجت أقوى الحركات الوطنية في بلاد المسلمين على مدى القرنين الماضيين، حيث كان العنصر الإسلامي دائما هو عمود الحركة الوطنية ولذلك لا يوجد ما يمكن أن نسميه تناقضا بين الوطنية والإسلام في بلادنا، وقد أثيرت هذه القضية في بعض الأحيان في محاولة للتفرقة بين وحدات الانتماء المختلفة في مجتمعاتنا، سواء كان الانتماء القطري أو القومي أو الإسلامي.
ولا يمكن إثارة تفرقة جادة بين الانتماء للمصرية والانتماء للعروبة أساسها قومي على أساس وحدة التاريخ واللغة، والإسلام جماعة سياسية تضم المسلمين من العربي والهندي والأفغاني، ويربطهم نوع من المصالح المشتركة، دون ضوابط التاريخ والعقيدة الواحدة باعتبار أنهم أمة تعمل كلها بالقرآن الكريم والسنة النبوية، تثقفت بثقافة واحدة.
وتكونت بنيتهم السياسية ووجدانهم السياسي والعقيدي برباط واحد، ولكل وحدات الانتماء السابقة إمكانيات عمل في إطار الوحدة العامة، فلا يوجد تناقض حقيقي بين هذه الوحدات وبعضها ولايمكن قبول فكرة هل أنت مصري أم مسلم أو أنت عربي أم مسلم.
* الاجتهاد في الإسلام قضية تشغل المفكرين على مر العصور وهي مازالت مثارة حتى الآن.. كيف تنظرون إلى ضرورة الاجتهاد الآن؟
- في تقديري أن الاجتهاد قائم وليس متخلفاً على هذا النحو الذي يصوره البعض، فهناك قدر من الاجتهاد قائم، وعندما نرصد التوجه الإسلامي في بلادنا على مدى المائة عام الماضية، سنجد أن هناك ثلاث موجات للاجتهاد والإصلاح الفكري في الإطار الإسلامي:
الموجة الأولى بدأت قبل القرن التاسع عشر وقادها الإمام محمد عبد الوهاب والشوكاني وغيرهما، وهي موجة كانت تريد العودة إلى الأصول والتخفيف من الجمود المذهبي وصراعاته، والعودة للأصول تعني العودة إلى القرآن والسنة مباشرة، مما يؤدي إلى نوع من التجديد مرجعه التطبيق المباشر على الواقع الحاضر.
وإذا نظرنا إلى ظروف هذه المرحلة التاريخية نجد استجابة موفقه للواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي كان مليئا بالحركات الصوفية من جهة، والتعصب المذهبي من جهة أخرى. أما الموجة الثانية فبدأت في نهاية القرن ال19 أيام الشيخ محمد عبده.
وهذه الموجة بدأت تجدد في فروع الشريعة الإسلامية لتتوافق مع تحديات الحاضر والنماذج التنظيمية ونماذج العلاقات التي نشأت على مدى ذلك القرن، وصرفت جهداً كبيراً في هذا الأمر وكانت استجابة للواقع التاريخي أيضا حيث عالجت المشكلة الثقافية بما هو خليق أن تتسلح به.
أما الموجة الثالثة من موجات الاجتهاد، فقد جاءت بعد الحرب العالمية الأولى، بعدما ساد الإطار العلماني وأصبحت المدينة الفاضلة يراها الكثيرون من العاملين في حقل السياسة والدعاة الاجتماعيين والمفكرين، علمانية مأخوذة من حاضر الغرب، وبدأ هؤلاء العلمانيون يفكرون في تجنيب الإسلام وإبعاده عن الحياة الاجتماعية، وهنا ظهرت الموجة الخاصة بالحركات الإسلامية الحديثة المستمرة حتى اليوم .
وهي تعتمد على شمولية الإسلام باعتباره ديناً ودولة، وهكذا كان في الموجات الثلاث إصلاح وتجديد واجتهاد للواقع والتحديات المفروضة، وكانت كل موجة تقترح الحل المناسب ولكننا نتحدث دائما عن الجمود والتجديد في قضايا فرعية، وننسى الموجات الكبرى التي جاءت مناسبة للواقع ومستجيبة له، ولم تقف عند الحدود أو شروط تطبيق الحدود.
موجات الإصلاح
* كيف يكون التجديد في الفكر الإسلامي من وجهة نظركم، وما هي شروطه؟
- التجديد هو أن يستجيب الفكر للتحديات التي يفرضها الواقع في مرحلة زمنية معينة، وشروطه ببساطة تتلخص في أن يكون التجديد بذات المادة الفكرية ومن داخلها، وفي تصوري أن أدوات التجديد موجودة من قديم.
وفي كل مذهب ستجد أدوات التجديد وآليات فكرية وعقلية من داخله، حتى المذهب الحنبلي والظاهري اللذين يرفضان القياس تماما لذلك هناك أحكام إذا أردنا فيها حكماً ملائما لعصرنا، قد نجدها في المذهب الظاهري، لأنه يعتمد على الإباحة المطلقة فيما بعد النصوص.
والمشكلة هي أننا لم نتمكن من وضع موجات الإصلاح التي ذكرتها على هذا الطريق بسبب الخطر الخارجي الآتي من الغرب، والذي جعل المؤسسة السياسية تتصارع مع مؤسسة الإصلاح الفكري، حيث ضربت حركة الإصلاح السياسي حركة الإصلاح الفكري في الصميم وأوقفتها وحددتها في وقت كان الفكر الغربي الفلسفي يرمي بذوره في تربتنا.
وبدأت تظهر أنماط المعيشة الغربية غير الملائمة للقيم والعادات الإسلامية وهنا كان للقوى المحافظة دور إيجابي عليها أن تلعبه، وحدث الصراع بين القديم والحديث، بين المجددين والمحافظين.
وكل منهم يريد أن يتلاءم الفكر مع تحديات الواقع القائم، فالمحافظ يريد أن يثبت الأصول التي أصبحت في خطر في مواجهة التجديد الذي يريد أن ينفي هذه الأصول وينحيها عن الواقع.
وعندما جاءت الموجة الثالثة التي ظهرت خلالها الحركات الإسلامية الحديثة، كان المثل الاجتماعي لكثير من المثقفين والحركات الشعبية وافداً من الغرب، من هنا أصبحت الحركات الإسلامية أكثر إيغالا في الإحساس بضرورة الدفاع عن الأصول ومواجهة من يريد حصر الإسلام في المسجد، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه.. كيف نحافظ على الأصول، وفي الوقت نفسه نجدد الفكر.
«وكالة الصحافة العربية»

