خلق الله سبحانه وتعالى البشر ذكوراً وإناثاً ولم يخلقهم جنساً واحداً لحكم عديدة، منها استمرار النوع البشري بالتزاوج والتناسل، واختبار المتعة الجنسية والمودة والسكينة والرحمة في نطاق الأسرة وذلك عن طريق التكامل والدعم المتبادل لأداء كل الأدوار الضرورية للحياة الطيبة واحتضان الذرية الصالحة.
هذا الكلام مع بساطته ووضوحه ومع كونه من البديهيات التي لا جدال ولا مراء فيها، يوجد اليوم من يعترض عليه وصولاً إلى كائن مسخ هجين لا هو بالذكر ولا هو بالأنثى، وقد أطلق على هذا الكائن الغريب اسم «الجندر» واعتبر الخيار الوحيد أمام الجنس البشري للمرحلة الراهنة والقادمة في ظل الحديث عن الحريات الذي يبدأ ولن ينتهي قبل أن يشوه الإنسان ويفخخ حياته الآمنة المطمئنة.
عليك يا سيدي إن كنت ابن القرن الحادي والعشرين وإن كنت تؤمن بالتقدم والحرية اللذين لا يقفان عند حد، وإن كنت تميل إلى اعتراف العالم الأول وثقافته المخالفة لكل قوانين وخبرات البشرية منذ أن وجدت على سطح الأرض، أن تؤمن بأن على الذكر أن يخلع عنه ذكوريته وأن على الأنثى أن تخلع عنها أنوثتها وأن يحل التنافس محل التكامل والتدافع مكان الدفع نحو الأفضل، وأن تنسى أن أباك كان ذكراً وأن أمك كانت أنثى، معتبراً الأسرة كياناً رجعياً متخلفاً مقيداً للمرأة وظالماً لها، ومؤمناً بأن كل إنسان له الحق في أن يعيش كما يريد مع من يريد أو بدون أحد أبداً، عندها تكون من أصحاب العقول الراجحة وقيم الحرية والمساواة. كاتبة عربية وصفها جورج طرابيشي يوماً بأنها أنثى ضد الأنوثة نشرت مقالاً في مجلة خليجية تدخل كل البيوت قالت فيه أن مشكلتها التي رافقتها طيلة حياتها هي إحساسها بأنها تعيش «أنوثتها» من أجل الرجل الأمر الذي رفضته جملة وتفصيلا، ولذلك فقد قررت أنها عليها هي وعلى النساء الأخريات أن يعشن لأنفسهن لا للرجل، حتى ولو استدعى الأمر ألا تؤسس المرأة وتعيش في أسرة وأن تحمل إن أرادت من بنك الحيوانات المنوية وأن تنجب طفلاً أو أكثر من دون أب. لا أعرف أصل العقدة النفسية التي تعشش في عقل هذه الكاتبة وغيرها بما فيها من كره للرجل وخوف منه ورغبة في تجنبه، حتى وان كانت النتيجة الوحدة والاغتراب.
ماذا فعل الرجال ليقابلوا بكل هذا البغض والعدوان والرغبة في الانتقام، ولماذا تتخلى المرأة عن أنوثتها وطبيعتها لمجرد وهم بأن هذه الأنوثة تحولها إلى أمة لزوجها وعبدة له، مع أن السائد اليوم هو عرض هذه الأنوثة والتفنن في إثارة ملايين الرجال بها، فلماذا يتحول المباح أمام الملايين إلى محرم أمام الزوج الذي ينوء بأثقال المسؤوليات. صحيح أن في الرجال سفهاء لم يحسنوا عشرة الزوجات فظلموا وأساءوا وهم مدانون شرعاً وقانوناً وإنسانية، ولكن تجربة هؤلاء يجب ألا تعمم على كل الرجال فقد وجد من هؤلاء الأخيرين من تحمل مسؤوليات رعاية الزوجة والأولاد في تأمين ما يلزم من أجل إعفافهم، ومن عاش حياته مؤمنا الحماية والوقاية للأسرة حتى لا يمسها أحد بشر، ومن تعامل بحلم وصبر مثاليين حتى مع أخطاء الزوجات والأولاد، فضلاً عن وجود سفيهات في النساء كما في الرجال سفهاء ممن أدى سوء أخلاقهن ونكد معاشرتهن إلى عواصف دكت أسرهن دكاً دون ذرة واحدة من العقل والحكمة.
لماذا لا تعيش المرأة لزوجها وأولادها - مع تحقيق ذاتها - وأكثر الرجال يصارعون الأهوال من أجل زوجاتهم وأولادهم، وهل يستطيع هذا الجندر المسخ أن يعيش وحده دون سند، وأن يعمل خارج وداخل البيت، وأن يتحمل وحده المسؤوليات المادية والمعنوية، وأن يلبي الحاجات ويؤمن الحماية والرعاية.
أذكر عنواناً لكتاب قرأته منذ سنين وقد علق في ذهني «الرجل لا يعرف الآه»، إن أكثر النساء اليوم ممن كثرت وسوسة تخريب المرأة لا تحريرها في آذانهن، يعتقدون اعتقاداً راسخاً أن الرجل لا يعرف الآه وأنه إن خرج من بيته إلى عمله صباحاً فكأنه ذاهب في نزهة ممتعة فلماذا تحرم المرأة من هذه المتعة! سيداتي النساء لن ينقصنا شيئ خروجكن إلى العمل كل يوم لعلكن تتطلعن على معاناة الرجال في أعمالهم، ولن يحزننا أبداً أن تحررونا من القوامة التي تعتبرونها سيادة وسلطة ونفهمها ونشعر بها خدمة وحماية ورعاية، ولكن الأمر يحتاج إلى وقفة. لقد أقر الإسلام ذمة مالية خاصة ومستقلة للمرأة وأعطاها حصة من الميراث مع أنه ألزم الزوج بالنفقة على الزوجة والأولاد في كل ميادين الإنفاق، وهو ما تعمل به قوانين الأحوال الشخصية المعتمدة على الشريعة الإسلامية، ولكن كل هذا وفي كل المذاهب نظير أن المرأة تعيش لزوجها وأولادها محمية ومحصنة ومؤمنة كل حاجاتها دون التعرض لشراسة أجواء العمل، أما وقد رفضتن هذا العرض وتركتم رعاية الزوج المحب ورعاية الأولاد للخدم فإن إلزام الرجل بالنفقة لن يؤدي بعد سنين إلا لثراء المرأة وفقر الرجل، وقد تخلع يوماً نفسها لنزوة أو لثورة غضب أو لأن زوجها قد فقد صلاحيته وأهميته بالنسبة لها.
إننا نفهم العدل بين الرجل والمرأة في إطار من المحبة المتبادلة والتكامل المجدي، أما التنافس والصراع اللذان تبشر بهما حركات تخريب المرأة فهما تعبير عن أنانية ونرجسية مفرطة، ولا يعقل في مجتمعات تلزم الرجل بالنفقة أن تقدم فرص العمل للنساء وتترك الرجال رهن البطالة.