إذا انتقلنا إلى الفكرة الثانية في قول أبي العلاء: تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد، أدركنا أن القرآن والأدباء والشعراء مع أبي العلاء على شقاء الحياة، وهم لا يجادلون في ذلك ولا ينكرون هذه الحقيقة، ولكنهم ليسوا معه على عجبه ممن يطلب المزيد، إن كان طلب المزيد لا يروقه هو، فهو يروق الكثيرين الكثيرين سواه. وإن لم يكن جميعهم يطلبون المزيد، فمن الأرجح أن الأغلبية تطلب المزيد وفوق ذلك تشتهي البقاء، وتتمنى الخلود، وهيهات.
فإذا كان الدافع عنده لهذه السأم من الحياة، والنفور منها وتجافيها، يرجع إلى المرض والعمى، فإن معظم الناس والحمد لله معافون في بدنهم، متمتعون بصحتهم، رائحون غادون في عنفوان قوتهم، وإذا كان هذا الملل والكراهة يرجعان إلى رؤيته التشاؤمية لهذا الوجود، وحيرته المستمرة أمام ألغازه العويصة.
وأستاره المسدلة، والأسئلة الحائرة في أفق عقله لا تجد رداً شافياً ولا إجابة حاسمة، فإن جماهير الناس لا تعنيهم هذه القضايا من قريب أو بعيد، وليسوا جميعاً بهذه الفلسفة التشاؤمية العدمية، ولا حتى لهم فلسفة تفاؤلية، ولكنهم يحبون هذه الحياة هكذا، وصدق المتنبي وهو يقول: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
الحقيقة لو كان المعري منصفاً مع نفسه ومعنا لأشار إلى ازدواجية الحياة التي تجمع بين الصفو والكدر والسعادة والشقاء، والكمال والنقصان، والخير والشر، إلا أنه اقتصر على جانب واحد من جوانبها، أي الجانب المحزن المظلم، وأغفل جانب الفرح والسرور، ولذلك أعتقد أن الشاعر علي بن الحسين البستي (400 ه) كان أشد صدقاً وأقرب إلى الواقع حينما صور حقيقة الحياة كما نحياها في قوله:
زيادة المرء في دنياه نقصان
وربحه غير محض الخير خسران
زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها
فصفوها كدر والوصل هجران
وكذلك موقف أبي البقاء الرندي في قوله:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
وعلى كل حال، الذي نشاهده في حياتنا ونلمسه في معاملاتنا، أن الناس يسعون لطلب المزيد، ويحاولون بجميع السبل الظفر بلذة الحياة، ويبذلون الغالي والرخيص، للتمتع بطيباتها، ويجهدون أنفسهم في الحصول على أكبر قدر من متعها، ويرددون مع الشاعر قوله: «رائع ثوب الحياة عيبه ذاك القصر».
خلاصة القول إن القلة القليلة هي التي ربما توافق المعري في كراهيتة للحياة، وإشاحته بوجهه عنها، وهي أيضاً تفعل ذلك وتولي وجهها شطر الموت، وتطلبه بوسائلها الخاصة بعد أن أصابها الهم والسأم والمرض. ومع هذا سوف نظل نردد ما أجمل هذه الحياة لأنها هبة من الله.