العدل نقيضه الظلم والجور والمساواة نقيضها التفرقة في النظرة إلى أن هذا أمير وهذا سوقة وحقير ولا ينبغي أن تكون المعاملة مع الأول،كالمعاملة مع الثاني، فهل عرف في الإسلام أمر كهذا؟

حاشا الإسلام أن يكون فيه جور أو ظلم أو تفرقة بين الناس من أي وجه كانت، فإذا مورست مثل هذه الأشياء في مجتمعاتنا الإسلامية، فهذا ليس من الإسلام، إن الإسلام منها براء، ولكنها من مسلمين لم يفهموا إسلامهم الفهم الصحيح فضلوا سواء السبيل فكانت هذه الممارسات الخاطئة في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة، التي لا تشبه الإسلام في شيء.

فالإسلام ـ كما يقول سيد قطب رحمه الله ـ في كتابه «نحو مجتمع إسلامي» الطبعة العاشرة ص:92 «ينفي منذ اللحظة الأولى كل نعرة جنسية أو عنصرية أو طبقية فيرد البشرية كلها إلى أصل واحد، ويقرر أن لا فضل لجنس فيها على جنس، ولا ميزة فيها لعنصر على عنصر، وأن اختلاف الألوان واللغات لا يدل على ميزة ولا أفضلية، ومن ثم تملك جميع الأجناس البشرية، وجميع الألوان وجميع اللغات أن تجتمع في حمى الإسلام وفي ظل نظامه الاجتماعي.

وهي تحس آصرة واحدة تربط بينها جميعاً هي آصرة الإنسانية، التي لا تفرق بين أسود وأبيض ولا بين شمالي وجنوبي ولا شرقي وغربي، فالكل يلتقون في الرابطة الإنسانية الكبرى المتمثلة في قوله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء..» سورة النساء ـ الآية الأولى.

ومن البديهي أن يكون في إزالة هذه الحواجز من الجنس واللون واللغة، إزالة الحواجز الإقليمية التي تقوم بين شعوب الأرض وتتمخض عنها هذه القوميات والقطريات التي تفضي إلى هذا التمايز القائم في عالمنا المعاصر.

عندما كانت هذه الحواجز المفتعلة لا وجود لها في الرقعة الإسلامية الشاسعة الممتدة في الأرض، كان الإخاء الإسلامي الذي يتولّد عنه التضامن والتكافل على أشده، وكان المقدم على إخوة الدم ويقوم مقام النسب، إذا كانوا ممن يحادون الله ورسوله.

وقد قرأنا في كتب التاريخ الإسلامي نماذج عدة من هذا القبيل تؤكد أن إخوة الإسلام مقدمة، بل هي فوق كل اعتبار، من ذلك موقف الصحابي الجليل عبدالله بن عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين في المدينة، في ذلك الحادث الذي أجج فيه ابن أبي الفتنة بين الأوس والخزرج وكاد يردهم بها كفاراً بعد أن منَّ الله عليهم بالإسلام وآخى بينهم وأخمد نيران الحروب المستعرة بينهم. وقال قولته التي تأكدت عبر قرآن يتلى إلى يوم الدين «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

ويجيء الرد عليه حاسماً وقاطعاً من رب العالمين، «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون» سورة المنافقون ـ الآية 8. فما كان من الصحابي الجليل إلا أن وقف في بوابة المدينة يمنع أباه رأس النفاق من الدخول أو يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدث ذلك بإيمانه اليقيني أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين .

وأن الذي ينبغي أن يمنع من الدخول إلى المدينة الأذل ولو كان هذا الأذل والدا والمانع له الولد، فهذا هو الإسلام، لا موادة فيه لمن حاد الله ورسوله ويأتي هذا المضمون في قوله تعالى: «لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم» سورة المجادلة ـ الآية 22.

وقوله تعالى: «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين» سورة التوبة ـ الآية 24 ويقول رسول الإنسانية والرحمة عليه الصلاة والسلام «إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى. قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال:

هم قوم تحابوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» أخرجه أبوداود.

وهؤلاء الناس ـ على هذا الوصف الذي وصفهم به رسول الرحمة للناس جميعاً «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» هم الذين ينشرون الحب والعدل والسلام لا في محيطهم الإسلامي فحسب، ولكن ينداح ذلك ليشمل غيرهم، يتعصبون لعقيدتهم نعم، ولكنه تعصب من أجل الخير الذي عاشوه ويريدون للآخر أن ينعم به، إذا قاوموا من يريد أن يزرع الشر في الأرض .

وأن يغتال الخير، فإن ذلك حماية أو دفاع عمن يريدون أن ينتفعوا بهذا الخير الذي يحجبه ويمنعه عنهم المفسدون في الأرض الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً يقتلون ويخربون ما طاب لهم التقتيل والتخريب، فإذا تصدى لهم من يقاومهم أو يسقيهم من الكأس التي يسقونها المرارات للآخرين تصايحوا بأنهم مظلومون وأنهم يعانون من الإرهاب الذي يستهدفهم.

إن ما يحدث الآن في واقعنا المعاصر يذكرنا بما كان يحدث في فجر الدعوة عندما كانت قريش تمنع الراغبين في الاستماع من الداعية الأول من أن يستمعوا وبالقوة والإرهاب. وعلى الرغم من ذلك التعسّف الذي مورس على الإسلام من مجتمع الشرك الأول، فإن الإسلام انتشر وثبتت أقدامه على الأرض، ذلك لأن كل من اعتنقه وجد فيه من المزايا ما لم يجده في غيره، وجد الحرية الواقعية ووجد المساواة والعدالة في الحقوق ووجد الأمن بكل أبعاده.

إن مجتمع الكراهية هو هؤلاء الذين يلفقون أكاذيبهم على الإسلام وافتراءاتهم، أما مجتمع المحبة بلا خلاف هو الذي يدعو قرآنه للعدالة والمحبة، «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» سورة النساء الآية 58. ويتحدث ـ يقول سيد قطب ـ عن الملابسات التي لا سبيل إلى تجاهلها في المجتمع، ملابسات القرابة والصداقة، وملابسات العداوة والشنآن (البغض) فيدعو إلى نفيها من ساحة العدالة كي لا تفسدها «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى» ـ سورة الأنعام ـ الآية 152.

«ولا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله» سورة المائدة ـ الآية 9 إنها ذروة العدل التي لا يمكن أن يبلغها من يكيلون بمكيالين فيما يطلق عليه الشرعية الدولية الجديدة.