بعد الحديث عن النبي داود ـ عليه السلام ـ وما أجرى الله على يديه من خوارق متمثلة في إلانة الحديد وغيرها. وقهر الجبابرة وقتل جالوت وبعد الاختيار خر راكعاً وأناب.

وبعد تبيان ما قيل في شأن الحكم يأتي نبأ سليمان ـ عليه السلام ـ الذي علمه الله منطق الطير والحكمة وسخر له الريح وأسال له عين القطر.

وسخر له الجن والإنس وكلها من الخوارق التي لا تكون إلا لنبي. كما أن له موقفاً في قضايا مثل غنم القوم التي تفشت في الحرث وعرش ملكة سبأ والصافنات الجياد.

وها هو القرآن يتحدث عن العلم والفضل في وراثة سليمان لداود عليهما السلام «ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين، وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين» سورة النمل:16.

لقد كان سليمان عليه السلام خير خلف لأبيه داود الذي ظل يهيئ ابنه سليمان ليكون خليفة له من بعده مع ما هو عليه من حداثة السن فقر سليمان في ملكه، ووهبه الله ملكاً عريضاً، وجاهاً وسيعاً وسخر له الريح تجري بأمره، وتسير بمشيئته وأمره وعلمه منطق الطير، فكان يتفاهم بأصواتها، ينتفع بمواهبها، ويطمئن إلى أخبارها وأسال له عيناه تقذف النحاس من باطن الأرض، فقيل عليه صناعة من الجن للانتفاع به في شتى الأعمال والتعمير، «وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ، يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ »، ولقد كان سليمان عظيم الحكمة يسمونه سليمان الحكيم..

ورث سليمان داود في نبوته وملكه، وآتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، حيث علمه منطق الطير، وسخر له الشياطين، وأطلق بأمره الريح ولقد ذكرنا القرآن الكريم بأمر سليمان في مواضع كثيرة حيث كانت هناك أعمال خارقة للعادة وليس ذلك من الله بعزيز:

«إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون» سورة ياسين :82.

وقصة سليمان وما جاء فيها من عبر وخوارق مبسوطة بتوسع أكثر في هذه السورة. وإن كانت قد خصت حلقة واحدة وهي الهدهد وملكة سبأ وعرشها وإسلامها.

فالله بدأها بالعلم والفضل الذي آتاه سليمان والشكر على النعمة فالعلم الذي علمه الله سليمان علم فريد من نوعه ـ لغة الطيور مثلاً بم تتكلم وماذا تفهم تسير الرياح بأمره. كيف ؟ وما سرعة هذه الرياح ومدى انتفاع سليمان بها.

( وورث سليمان داود) فكانت الوراثة وراثة العلم ذي القيمة العليا التي تستأهل الذكر ويؤكد هذا إعلان سليمان في الناس: ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) إظهار لفضل الله لا مباهاة على سائر الناس. وللطيور والحيوانات والحشرات وسائل للتفاهم ـ هي لغتها ومنطقها ـ فيما بينها، لها روابط معينة. وذلك ملحوظ في حياة أنواع كثيرة من الطيور والحيوانات والحشرات، ويجتهد علماء هذه الأنواع في إدراك شيء من لغاتها ووسائل التفاهم بينها عن طريق الحدث والظن لا عن الجزم واليقين.

فأما ما وهبه الله لسليمان ـ عليه السلام ـ فكان شأناً خاصاً به على طريق الأمور الخارقة التي تخالف مفهوم البشر. وإلى مزيد من الفضل، فقد سخر الله تعالى لسليمان طائفة من الجن والطير لتكون تحت أمرته، كجنود من الأنس سواء بسواء.

والطائفة التي سخرها له من الطير وهبها إدراكا خاصاً أعلى من إدراك نظائرها في أمة الطير. ويبدو ذلك في قصة الهدهد الذي أدرك من أحوال ملكة سبأ وقومها ما يدركه أعقل الناس وأذكاهم وأتقاهم.

وكان ذلك على طريق الخارقة والإعجاز:

«وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون» النمل: 17.

أي وجمع لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فكانت الطير فوق رأسه تظله بأجنحتها كما روى أغلب أهل التفسير.

كان موكب سليمان حشوداً حاشدة تتألف من الجن والإنس والطير ولقد كان ملك سليمان من الأرض ما نعرفه اليوم باسم فلسطين ولبنان وسوريا والعراق إلى ضفة الفرات.

لقد سار موكب سليمان من الجن والإنس والطير. في ترتيب ونظام يجمع آخره عن أوله، وتضم صفوفه وتتلاحم خطاه.

وأثناء سير هذا الموكب المهيب أتوا على ( وادي النمل) نظرا لكثرة النمل فيه وفقا لأغلب الروايات. قالت نملة لما لها من صفة الإشراف على النمل السارح في الوادي. ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم، تتنوع فيها الوظائف. لقد تحدثت النملة باللغة المتعارف عليها بين بنات جنسها ( ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون).. فأدرك سليمان ما قالت النملة وهش وانشرح صدره بادراك ما قالت:

( فتبسم ضاحكاً من قولها). إن هذه نعمة جليلة أنعم الله بها على سليمان بفهم لغة النملة. الحشرة الضئيلة. السارية في الأرض وكم.. وكم من نملة سارية في الأرض تتحدث والله وحده يسمع ويرى. لقد انشرح صدر سليمان لأن هذه الحالة عجيبة من العجائب أن يكون للنملة هذا الإدراك. والأعجب أن يفهم عنها النمل فيطيع ! ( فتبسم ضاحكاً من قولها).

لقد ردت النملة قلبه إلى ربه الذي أراه وأسمعه تلك الخارقة وفتح بينه وبين تلك العوالم المحجوبة من خلقه. فاتجه إليه قائلاً: ( رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ).