ونستكمل في هذه الأمسية نوادر من بدائه العرب. كان أبو العيناء (محمد بن القاسم بن خلاد) وهو هاشمي بالولاء وليس بالنسب، سريع البديهة. حاسم الجواب في ظَرْفٍ فَكِه من ذلك أن أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، وكان وزيرا، قال لأبي العيناء: لِمَ لا نراك؟ قال: أنت والله تقرب منا إذا احتجناك، وتبعد عنا إذا احتجتَ إلينا!

ويروى أنه تأخر عن زيارة الوزير أبي الصقر فأرسل إليه وقال له: لم احتجبْتَ عنا يا أبا العيناء؟ قال: سُرِق حماري. قال: وكيف سُرق؟ قال: لم أكنْ مع اللص فأخبرَك! قال: ولمَ لمْ تشترِ غيرَه؟ قال: قلة الدنانير، وبغض التأجير. قال أبْشِرْ فسوف نبعث إليك بغلا. فانصرف أبو العيناء فرحا. ولكن يبدو أن الوزير نسي أو تناسى فلم يبعث لأبي العيناء شيئا.

وذات صباحٍ رآه الوزير يسير على قدميه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا العيناء؟ قال: أصبحتُ بلا بغل! فقال الوزير إني لم أرسله لك مخافة أن تنقطع عنا فطالما لم أرسله لك فسوف تأتينا مطالبا به فنتمتع بحديثك. فقال له: الحل بسيط أرسله لي، وعِدْني ببغل آخر وماطل في إرساله!

وأبو العيناء أيضا ويروى أنه توجه إلى أحد الوزراء فعلم أنه في قصر الخلافة فتوجه إلى هناك وفي الطريق قابل الوزير وكان قد خرج ويبدو أن الخليفة أنبه لشيء ما فخرج وهو في غاية الغضب فلما سلم عليه أبو العيناء قال له من أين قدمت أيها الوزير؟ قال في غضب: من لعنة الله.. قال أبو العيناء: ردَّ اللهُ غُرْبَتَك!

وهو أيضا ومن ذلك ما روي عن أبي العيناء الهاشمي أنه ذهب إلى أحد الوزراء فلم يقابله، فانتظره حتى خرج فقال له الوزير: اعذرني يا أبا العيناء فإني مشغول، قال: والله لولا شغلك ما حضرنا لك. فقال الوزير دعني في مشاغلي الآن. فقال له أبو العيناء: نحن والله في وجودك محْرومون، وفي غيابك مرْحومون! ويوم القيامة كل نفس بما كسبت رهينة!

وهو أيضا وذهب أبو العيناء لصديق له يطلب مالا فاعتذر بالقُلّ وأقسم أنه صادق: فقال أبو العيناء: مَن كان صِدْقُهُ حرمانَ صديقه، فما بالك بكذبه؟! القاضي شَرِيك بن عبد الله ودخل القاضي شريك بن عبد الله وكان سريع البديهة على هارون الرشيد، فقال له الرشيد مفاكها: يا شريك، آية في القرآن ليس لك ولا لقومك منها نصيب!

(ولم يكن شريك من قريش ولا من مكة) قال وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ(44))[الزخرف] فقال شريك على الفور، ليست هذه فقط بل هناك آية أخرى ليس لي ولا لقومي نصيب منها أيضا. قال وما هي؟ قال: قوله تعالى (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ(66))[الأنعام] فعجب الرشيد من سرعة بديهته.

بديهة منقذة

جيء برجل إلى أمير المؤمنين الرشيد من الخارجين عليه وقد أهدر دمه، فلما واجهه قال الرجل: يا أمير المؤمنين، إن الانتقام عدل، والعفو فضل، والمتفضل قد جاوز حد الإنصاف، وتحامى عن الإسفاف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، دون أن يبلغ أرفع الدرجتين! فعفا عنه.