كانت الأندلس في نهاية القرن الخامس الهجري قد انقسمت عدة ممالك صغيرة عرف حكامها بملوك الطوائف، وكان نصارى الشمال يهددون هذه الممالك حتى جاء المرابطون وقضوا على هؤلاء الملوك الذين انغمسوا في الترف، «ولاح إذ ذاك ان زمن الثقافة الرفيعة والبحث الحر قد انقضى» .
كما يقول دي بور ـ تاريخ الفلسفة الإسلامية ـ ولم يجرؤ على الظهور إلا رجال الدين ولاسيما رجال الحديث، أما الفلاسفة فقد كانوا عرضة للاضطهاد أو القتل. ويؤيد هذه الحقيقة إحراق كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد الغزالي بأمر أمير المسلمين المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين.
على أنه برغم هذا نرى الأمير المرابطي أبا بكر بن إبراهيم «صهر السلطان علي بن يوسف المرابطي» وكان يلي ولاية سرقسطة، يتخذ أبا بكر بن باجة السرقسطي جليسا له ثم يقلده الوزارة، وابن باجة الذي يعرف في الغرب باسمه اللاتيني ءًّفٍِلكم كان قد نشأ ابن باجة في أواخر القرن الحادي عشر بسرقسطة ودرس بها، وعاش فيها حتى مطلع شبابه قبل ان تسقط في أيدي الأسبان ونبغ في الرياضة والفلك والطبيعة والفلسفة، هذا فضلا عن براعته في الشعر والأدب.
ولما ولي الأمير أبو بكر بن إبراهيم اللمتوني حكم سرقسطة من قبل المرابطين، ندب ابن باجة لوزارته، واختص به، وأغدق عليه عطفه ورعايته، بالرغم مما كان يرمى به هذا الفيلسوف من الميول والآراء الإلحادية، ولما سقطت سرقسطة في أيدي الأسبان 1118م» غادرها ابن باجة إلى اشبيلية، ثم إلى شاطبة، ثم نزح من الأندلس إلى المغرب.
وعاش هناك حتى توفي في سنة 1138 وقد كتب ابن باجة زهاء خمسة وعشرين كتابا لم يصلنا منها سوى القليل، وترك لنا عددا من القصائد الرصينة الجزلة التي تنم عن روعة خياله ورائق نظمه.. قال الأستاذ محمد عبدالله عنان في موسوعته القيمة: «دولة الإسلام في الأندلس»:
«وهو يعتبر على العموم من أعظم المفكرين والفلاسفة في الأندلسيين، وقد كان لآرائه ونظرياته تأثير كبير في تفكير الفيلسوف أبي الوليد بن رشد الحفيد»! والهجوم على ابن باجة، له دوافعه وبواعثه، سيما من إما النصوصيين الذين يقفون عند حدود النص الديني من الفقهاء، وإما من المنافسين والحساد، الذين ينقمون عليه لما وصل إليه من حظوة لدى الأمراء، ومن ذلك ما أورده الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه تاريخ الإسلام نقلا عن لسان الفتح بن خاقان:
«الأديب أبو بكر بن الصائغ هو رمد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا وهجر مفروضا ومسنونا ـ أي أنه هجر الشريعة الإسلامية وما تشمل عليه من فروض وسنن.
وهذا كله على غير الحقيقة ـ فما يتشرع ولا يأخذ في غير الأضاليل، ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة ولا أظهر مخيلة إنابة ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده بتوار في جدث، ولا أقر بباريه ومصوره، ولا قر بتباريه في ميدان تهوره. والإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان. نظر في تلك التعاليم «يقصد الفلسفة» وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم ورفض كتاب الله الحكيم العليم.
ونبذه وراء ظهره، ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. واقتصر على الهيئة ـ أي إنه يؤمن بالطبيعة ولا يؤمن بالله ـ وأنكر أن تكون منه إلى الله تعالى فيئة ـ أي رجعة ـ وحكم للكواكب بالتدبير، واجترأ على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى: «إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد»..!
فهذا يدل بوضوح على مدى كراهية الفقهاء أو علماء النقول، للفلاسفة أو علماء المعقول، وتشنيعهم عليهم دون روية أو إنصاف، وأقل تهمة من التهم السالفة كانت كافية للحكم بردته وكفره وإهدار دمه، وهو بريء من كل هذه المفتريات ولم تخطر على باله يوماً، ولكنها المكائد والأحقاد التي لم تهدأ حتى أودت بحياته..!
فبعد سقوط سرقسطة رحل ابن باجة إلى إشبيلية سنة 513 هجرية وفي اشبلية ألف وصنف الكثير من مؤلفاته ثم يمم شطر غرناطة، ومن ثم إلى فاس حيث وفد على بلاط المرابطين فيها. وهناك عادت الدسائس لتحاك حوله، فدبروا له المكائد إذ ألب خصومه .
ـ ومن بينهم الفتح بن خاقان ـ السلطان والعامة عليه، فنبهوه إلى المعطلة، واتهموه بإشاعة الأباطيل حوله، حتى نال تهمةالتكفير، لتعبئة الشعور الإنساني والإسلامي ضده، وحيكت له المؤامرات لاغتياله، حتى مات بالسم، على يد الطبيب ابن زهر ـ وكان من الحاقدين عليه، فكانت وفاته في رمضان سنة 533 هـ وذلك كما ورد عند كل من القفطي وابن خلكان.
وكما كان هناك من يحط عليه ويحكم عليه بكل سوء، كان هناك من يعرف له حقه، ويجل قدره وعلمه، فقد كتب فيه أبو الحسن علي بن عبدالعزيز ابن الإمام الكاتب الغرناطي الذي صحبه زمنا واشتغل عليه: «هذا مجموع ما قيد من أقوال أبي بكر بن الصائغ رحمه الله في العلوم الفلسفية، وكان في ثقابة الذهن ولطف الغوص على تلك المعاني الشريفة الدقيقة أعجوبة دهره، ونادرة الفلك في زمانه» وبعد أن وازن ابن الإمام بين ابن حزم ومالك بن وهب، استطرد فقال عن ابن باجة:
«وأما أبو بكر بن باجة فنهضت فطرته الفائقة، ولم يدع النظر والتنتيج والتقييد لكل ما ارتسمت حقيقته في نفسه على أطوار أحواله، وكيفما تصرف به زمنه، وأثبت في الصناعة الذهنية، وفي أجزاء العلم الطبيعي، ما يدل على حصول هاتين الصناعتين في نفسه، صوته ينطق عنها، ويفصل ويركب فيها فعل المستولي على أمرها».
ثم يقول: «وله تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة تدل على بروعه في هذا الفن. وأما العلم الإلهي فلم يوجد في تعاليقه شيء مخصوص به اختصاصا تاماً، إلا نزعات تستقرأ في «رسالة الوداع» واتصال الإنسان بالعقل الفعال.
وإشارات مجددة في أثناء أقاويله»، «ويشبه أنه لم يكن بعد أبي نصر الفارابي مثله في الفنون التي تكلم عليها من تلك العلوم، فإنه إذا قرنت أقاويله فيها بأقاويل ابن سينا والغزالي، وهما اللذان فتح عليهما بعد أبي نصر بالمشرق في فهم تلك العلوم، ودونا فيها، بان لك الرجحان في أقاويله، وفي حسن فهمه لأقاويل أرسطو» والاستاذ زكي نجيب محمود يفتتح به الموسوعة الفلسفية فيقول:
ابن باجة هو أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ، ولد في سرقسطة، ولا نعرف عن حياته أكثر من أنه كان في أشبيلية عام 1118م بعد سقوط سرقسطة ثم نراه بعد ذلك في غرناطة، ثم انتقل إلى فاس حيث التحق ببلاط المرابطين، ومات عام 1138م.
كانت مؤلفات ابن باجة شروحا للمذهب الأرسطي أقرب منها إلى ان تكون مذهبا فلسفيا خاصا به، على أن من أهم ما يلفت النظر عنده هو طريقته في بيان تكامل العقل الإنساني ومبلغ الإنسان من العلم ومكانه بين الموجودات، فيذهب ابن باجة إلى أن الموجودات قسمان «متحرك وغير متحرك، والمتحرك مادي متناه، وليست حركته نابعة من ذاته، بل ترتد إلى قوة لا متناهية.
وهذه القوة موجودة من الأزل، وهي العقل؛ لكن العقل وان يكن هو الذي يحرك المادة إلا أنه لا يحركها مباشرة بل تتوسط بينهما النفس، أي إن المحرك المباشر للجسم النفس، والنفس بدورها تتأثر بالعقل..؟ أورد ابن ابي أصيبعة في عيون الأنباء والقفطي في أخبار الحكماء.
وغيرهما، طائفة كبيرة من المصنفات لابن باجة في علوم وفنون شتى شارك فيها هذا الفيلسوف، والتي تظهر ما كان عليه من ثقافة علمية وفلسفية، على أن أكثر ما صنف ابن باجة من مؤلفات كان في شروح وتعليقات على مذهب أرسطو وغيره من الفلاسفة، ولاسيما ما كان من مؤلفات المعلم الأول في المنطق والطبيعيات.
ذكر ابن طفيل الفيلسوف المعاصر لابن باجة مؤلفات أبي بكر، قال: «وأكثر ما يوجد له من التآليف إنما هي غير كاملة ومجزومة من أواخرها ككتابه «في النفس» و «تدبير المتوحد» وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة.
وأما كتبه الكاملة فهي كتب وجيزة ورسائل مختلسة، وقد صرح هو نفسه بذلك، وذكر ان المعنى المقصود برهانه في «رسالة الاتصال» ليس يعطيه ذلك القول عطاء بينا، إلا بعد عسر واستكراه شديد، وأن ترتيب عبارته في بعض المواضيع على غير الطريق الأكمل، ولو اتسع له الوقت مال لتدبيلها»
أما المصنفات الكاملة أو المجزومة أو الوجيزة فهي:
1 ـ تعاليق في الهندسة وعلم الهيئة
2ـ شرح كتاب السمع أو السماع الطبيعي لأرسطوطاليس
3 ـ قول على بعض كتاب الآثار العلوية لأرسطوطاليس
4 ـ قول على بعض كتاب الكون والفساد لأرسطوطاليس
5 قول على بعض المقالات الأخيرة من كتاب الحيوان لأرسطوطاليس
6ـ كلام على بعض كتاب النبات لأرسطوطاليس
7 ـ جواب على سؤال عن هندسة ابن سيد المهندس وطرقه
8 ـ كلام على شيء من كتاب الأدوية المفردة لجالينوس
9 ـ كتاب اختصار الحاوي للرازي.
ومن مصنفاته العلمية: كتاب التجربتين على أدوية ابن وافد وهذا الانتاج الزاخر من الفكر العقلي والفلسفي وبالغ القيمة في محيطه وبين أهله، لن يجني الإسلام فائدة إذا شطبنا عليه وألغيناه، وإنما سيفيد بلاشك حينما نخاطب غير المسلمين ونحتاج مثل هذه الفتوح العقلية والإنسانية الحضارية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.