إحساسٌ بهيمنة الله على الحياة بكل ما فيها من حركات وسكنات والاعتماد عليه سبحانه والثقة به ثم التبرؤ من كل حولٍ بشري ومن كل قوة إلا قوته وحوله تبارك وتعالى، وإحالة كل شيء إلى القدير، والاعتماد التام عليه وتسليم كل أمر إليه وتفويضه سبحانه والثقة به.

وهذا الإحساس في القلب يعمّق صلة العبد بربه ويزيده ركوناً إليه واعتماداً عليه وثقةً به وتسليماً إليه مع انغلاق القلب عما سوى الله من ناحية الاعتماد والثقة لأنه سبحانه «إليه يرجع الأمر كله»، وبما أنه إليه ـ وإليه فقط ـ يرجع الأمر كله «فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون».

وقد جاءت الأوامر منه سبحانه تترى بالتوكل عليه وبيان منزلة المتوكلين وفوزهم بحبه ورعايته وتوفيقه «إن الله يحب المتوكلين»، وأنه سبحانه يكفي المتوكلين عليه ولا يفوته أمر ما يريدون فقال تعالى :«ومَنْ يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً».

والتوكل أخذٌ بالأسباب دون تكاسلٍ، وعملٌ مع ترْك النتيجة لله وانتظار قدرته وتصرّفه سبحانه في الأمر مع التسليم التام له وتفويض الأمور صغيرها وكبيرها إليه، وانتظار كل شيء منه، والبلوغ إلى أفق «لا حول ولا قوة إلا بالله»، والشعور بما في ذلك القول من كنوز مخفية وقدرات إلهية ربانية فتنعكس على الفرد إضاءاتٍ روحانية داخلية، ومن أمثلة الأخذ بالأسباب مع التوكل عليه سبحانه، أن النبي أمرَ الرجل أَن يأخذَ بالأسباب بأن يَعْقل ناقَته ولا يتركها مرسلة؛ لأن في إرسالها إبطالاً للأسباب.

وهو عجزٌ أو تواكل لا توكل، وأنه سبحانه حثّ المجاهدين على أن يكون انتباههم حاداً ويقظتهم في قمتها حين القتال والوجود في ميدان المعركة «يا أيها الذين آمنوا خذوا حِذْركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً».

والتوكل الحقيقي أخذٌ بالأسباب دون الارتكاز عليها والاستناد إليها بل الاعتماد على مسببها، فيكون حال القلب قيامه بالله لا بالأسباب وحال البدن قيامه بالأسباب، وإلاّ فإننا نهوى من الذروة إلى الحضيض ومن القمة إلى السفح ومن الإنسانية إلى الحيوانية، فنصير كحشرة حقيرة زاحفة على الأرض.

إن الأخذ بالأسباب مع اعتقاد أن التأثير لها ظاهراً ليس لها حقيقةً بل لله هو توكلٌ عند عامة الناس، أي اعتماد على الله في الأمور كلها وتسليم وتفويض عند من انتبه قلبه لما وراء الظواهر وحُجُب الأشياء فتبرّأ مِن حوله وقوته إلى حول الله وقوته، وقد ضرب النبي أروع الأمثلة في التوكل فقال لأبي بكر :

«لا تحزن إن الله معنا»، فتوكّل وسلّم وفوّض الأمر لله في ثقة تامة حين لم يكن بينه وبين من يريدون الفتك به إلا خطوة حتى قال أبو بكر :«يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا»، فكانت النتيجة النجاة.

والمتوكل يشعر بفقره وعجزه فيستند لله الغنيّ القويّ، وبذلك يتوجه إلى منبع القوة والإرادة ليستمد منه القوة ويتخذه وكيلاً لمصالحه الدنيوية والأخروية جميعاً، ويعترف بوجدانه بوكالته سبحانه في كل أمر، ويعتمد عليه، ويغلق دون بابه كلَّ الأبواب ويملأ قلبه بحبه والثقة به.

تَوكّلْ على الرحمنِ في الأمرِ كله

فما خابَ حقاً مَنْ عليه توكلا

وكنْ واثقاً بالله واصبرْ لحكْمِه

تَفزْ بما ترجوه مِنْه تفَضّلا

ذلك أن ظنَّ خذلان الله لك ـ حال توكلك عليه ـ جهلٌ، «أليس الله بكافٍ عبده»، فالتوكل يقوي العزائم وينير ظلمات طريق الدعاة إلى الله ويكسبهم الجرأة على الجبروت ومواجهة الطغيان لإحساسهم بمعية الله لهم وأُنْسه سبحانه وحشتَهم، كما قال لموسى وهارون «لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى».

ومن ثمّ وجدنا المتوكلين حقاً غير هيابين يقولون الحق عالمين أن النافع الضار هو الله ولذا وجدنا بناناً الحمال يأمر أحمد بن طولون حاكم مصر بالمعروف فغضب عليه ابن طولون وأمر أن يُلقى بين يدي السبع! فلما أُلقي جعل السبع يشمه ولا يضرّه، فلما أُخرج من بين يديه قيل له ما كان في قلبك حين شمّك السبع؟ قال :كنت أفكر في اختلاف العلماء في سؤر السباع ولعابها، أي هل هو طاهر أم نجس؟!

فسبحان الله إن التوكل يأتي بالثقة في الله فيثبُت القلب ويستأنس بالله تعالى ويُعرض عما سواه وقد عاش بنان بعد وفاة ابن طولون وكان يقول :«البريء جريء والخائن خائف ومن أساء استوحش».

وبتسليط الضوء على المجتمع نجد ما ينافي التوكل على الله من تصرفات وسلوكيات فنجد اللهفة على الرزق والمال تلجئ أصحابها أحياناً كثيرة إلى النفاق والكذب والتملق والتسلق والحرام مما ينافي تمام التوكل على الرازق، لذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في الدنايا وترك التوكل باستبطاء الرزق فقال «لا يحملنّكم استبطاءُ الرزق أن تأخذوه بمعصية الله».

قال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم :معنى التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفْع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها. والتوكل من شيم الذين يدخلون الجنة بلا مناقشة حساب ولا سابقة عذاب كما أخبر النبي «..هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون».

وكان دعاؤه عليه الصلاة والسلام مفعماً بالتوكل والتسليم لله فعن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا فلان إذا أويت إلى فراشك فقل اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإنك إن مِتّ من ليلتك مِتّ على الفطرة وإن أصبحت أصبتَ خيراً».