وتمضي أيام رمضان إلى غايتها بعد أن ازداد المسلم إيماناً وشفافية وروحانية، لأنه عاش في رحاب القرآن والذكر وحضور مجالس العلم ولم يؤثر فيه الجوع، بل أعطاه قوة على طاعة خالقه واجتهد في كل ما يقربه من ربه، لأنه يعلم أن الزمن يمر بسرعة، والسعيد من وفقه الله لاغتنام الفرصة لأن الإنسان لا يدري إن كان سيشهد رمضاناً آخر أم لا!!

لذلك تراه يعمل جاهدا لاغتنام ما تبقى من رمضان في عمل الخير، لأنه وثق بموعود الله لعباده الصائمين المخلصين الذين أعطاهم القناعة والرضا بما أعانهم على الصيام والقيام وسائر العبادات الأمر الذي جعله في غنى نفسي وراحة بال. فليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس.

روي عن أبي واقد الليثي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اوحي اليه، أتيناه يعلمنا مما أوحي اليه، فجئته ذات يوم فقال إن الله عز وجل يقول: إنا أنزلنا المال لاقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لأحب ان يكون له ثان، ولو كان له الثاني، لأحب أن يكون له ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.

والمسلم الذي يرضى عن نفسه أولاً ويتقبلها بماأتت به من أعمال صالحة تجده سعيداً، المهم أن تنتهي إلى قرار بالرضا عن نفسه. والثقة في تصرفاته، مع عدم الاهتمام بما يوجه اليه من نقد طالما أنه ملتزم بالصراط المستقيم، فالسعادة تهرب من حيث يدخل الشك أو الشعور بالذنب.

روي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان: خلق يعيش به في الناس وورع يحجزه عن محارم الله وحلم يرد به جهل الجاهل. (رواه البزار).

وروي عن واثلة عن أبي هريرة رضي الله عنه عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن محاورة من حاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.

المسلم في شهر رمضان وفي غير شهر رمضان وهو متصف بالورع والقناعة والرضا بما قسم الله ومحبة الخير للناس وحسن الجوار تجده قدوة لغيره سواء في البيت أو في العمل، يتأثر به كل من يتعامل معهم فينعكس هذا السلوك عليه وعليهم بالارتياح والرضا والسعادة، والله سبحانه وتعالى سيجزيه خير الجزاء إن شاء الله.

المسلم القانع بما رزقه الله يرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما فيه سعادته وصلاحه فيوضح له ان التوفير والتوسط في الانفاق من شيم النبيين، ونهى صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يضجروا أو يسأموا بل يجدوا ويكدوا ويسعوا.

روي عن عبدالله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة. (رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، ورواه مالك وأبو داود بنحوه من حديث ابن عباس إلا أنهما قالا: من خمسة وعشرين.

وروي عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ماحل ودعوا ما حرم. (رواه ابن ماجه واللفظ له والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم).

ومن أراد عز القناعة، عليه الإجمال في الطلب والاقتصاد في المعيشة والرفق في الانفاق، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتفق عليه: إن الله يحب الرفق في الأمر كله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عال من اقتصد ولا ينفك الإنسان عن الحرص الا بحسن ثقته بتدبير الله تعالى في تقديره أرزاق العباد، وينبغي أن يعلم ان رزق الله للعبد من حيث لا يحتسب أكثر.

قال تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)، فالعز كل العز والسعادة كل السعادة بالنسبة للمسلم هو استغناؤه عن الناس، ولذلك قيل: استعن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره وأحسن إلى من شئت تكن أميره.

روي عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه (أي أرضاه باليسير) وفي النهاية: قنع يقنع قنوعا إذا رضي، والقناعة كنز لا ينفد، لأن الانفاق منها لا ينقطع، كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضى، ومنه جاء اعز من قنع وذل من طمع، لأن القانع الراضي لا يذله الطلب، فلايزال عزيزا، والخير في شهر رمضان كثير، والخيرون كذلك، فتراهم لا يتركون محتاجاً دون أن يساعدوه فهم يعلمون ثواب ذلك عند الله.

كما إنهم يريدون أن ينثروا السعادة في المجتمع. روى عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ترضين أحدا بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص، ولايرده عنك كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين.

قيل الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين قال تعالى:( رضي الله عنهم ورضوا عنه) (البينة 8)

وقال تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الاحسان (الرحمن 60)

ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده، وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى وقال تعالى: ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر (التوبة)، فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن. وفي الأثر: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى على كل حال.

وقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر وقيل له: ما تشتهي؟ فقال ما يقضي الله تعالى.

وقال ميمون بن مهران: من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر.

وقال سهل بن عبدالله: خط العبيد من اليقين على قدر حظهم من الرضا وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله عز وجل.

* وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء: ـ اللهم اعصمنا فيما تبقى من شهر رمضان من الزلل والآثام واعطنا ما أملنا ورجونا فيه من الثواب، لك المشيئة ولك الحوْل ولك القوة وأنت الله الرب الرؤوف الرحيم، إلهي إني عائذ بك، لائذ بحولك وقوتك، راض بحكمك، فلا تحرمني من رعايتك ولا تخرجني من عنايتك، اجعل يارب على الهداية محجتي وعلى الرشاد مسلكي، واقض اللهم حاجتي التي لا يعلمها أحد غيرك واشدد من أزري وسهل لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ولا حول ولا قوة إلا بك يا ذا الجلال والإكرام، يا الله.

سبحانك ياالله، سبحانك يا من زينت السماء بالنجوم الزاهرة وجعلتها هادية لخلقك، سبحانك يا من أنرت القمر المنير في سواد الليل للظليم بلطفك، سبحانك يا من أنرت الشمس المنيرة وجعلتها معاشا لخلقك، سبحانك يامن استوجبت الشكر بنشر آلائك، اسألك يا حق يا مبين ان تصرف عني وعن أهلي وجميع المؤمنين والمؤمنات جميع الآفات والأمراض والخطايا والذنوب والشقاق والنفاق والعسر والضيق وفساد الضمير وحلول النقمة وشماتة الاعداء إنك يارب سميع قريب مجيب الدعاء يارب العالمين ياالله.