الخافض الرافع اسمان متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر ومعناهما قريب من الاسمين السابقين في المعنى العام، كما يتبادر إلى الأذهان، ولكن بين القابض والباسط، والخافض والرافع فروقاً لغوية تمنع الترادف، بحيث لا يسوغ لقائل أن يقول : إن أحد الاسمين يغني عن الآخر.

فالقبض معناه : الإمساك والتضييق والتقصير والحبس والمنع وما في معناه . والخفض معناه : الوضع والذل والإهانة والنقص والحط من علو والهبوط من سمو.

والبسط ضد القبض والخفض ضد الرفع، فإذا أردنا أن نعرف الفرق بين القابض والخافض، والباسط والرافع فلابد أن نراعي هذه الفروق اللغوية، فإن من تحقق من الفرق بين لفظين مترادفين استطاع أن يفقه الكتاب والسنة كما ينبغي وعندئذ يكون قد أراد الله به خيراً كثيراً وفتح عليه في العلم فتحاً مبيناً.

« ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم. الخافض جل شأنه : هو الذي دانت له الرقاب جميعاً إذ خفضها بعزة جبروته وقهرها بسلطان ربوبيته فخضعت لعظمة جلاله، وانقادت لحكمته وسيرت بقضائه وقدره، فكانت تحت مشيئته ليس لها معه سلطان ولا تدبير.

فقد تبارك الله في ملكه وتعالى على عرشه وعز في سلطانه خضعت الإنس والجن لجبروته وسبح كل شيء بحمده طوعاً وكرها.

والرافع : هو الذي نصر جنده وأعز أولياءه، ورفع شأنهم في الأولين والآخرين، وأضافهم إليه تشريفاً وتعظيماً فقال جل شأنه : (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) إلى قوله سبحانه : (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلماً) .

الخافض : هو الذي يخفض بالجهل أقواماً فيعيشون بجهلهم أمواتاً وهم أحياء، ويرتكبون به من الكبائر والخطايا والأخطاء ما يكون سبباً في انحطاطهم عن مرتبة الإنسانية إلى ما دون مرتبة الحيوان الأعجم .

يقول الله عز وجل : (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً) . وهؤلاء قد عرضت عليهم الهداية فأبوها واستحبوا العمى فأضلهم الله. ولو طلبوا الهدى لهداهم ولكنهم تمادوا في الضلال فغلبت عليهم شقوتهم فهوت بهم أهوائهم إلى مكان سحيق.