على شاكلة الإساءة الغربية للنبي صلى الله عليه وسلم، لم يتعرض مفهوم أو فريضة إسلامية للتشويه مثل مفهوم الجهاد، حتى أن المفهوم في سياق تطوره المعاصر أصبح مرادفا للإرهاب.

ويمكن تصور التطور المستقبلي للمفهوم في السياق الغربي في ضوء التطور المماثل الذي حدث للفظ اغتيال العربي وانتقاله إلى اللغة الإنجليزية فََّّفيَفُّم حيث أن اللفظ يعود في أصله إلى كلمة الحشاشين في اللغة العربية نسبة إلى حركة الحشاشين التي كانت تقوم بعمليات اغتيال سياسي في تاريخنا الإسلامي الوسيط.

ومتابعة دقيقة للهوس الغربي بمفهوم الجهاد وإضفاء معان ورؤى خاصة عليه في ظل التطورات التي تواجهها علاقات العالم الإسلامي مع الغرب، يشير إلى أن الجهادي، وسينطق في الإنجليزية كما ينطق بالعربية ييوفلى - الأمر الذي يمكن ان نلمسه في عناوين الكثير من الكتب الغربية في العقد الحالي -إنما سيكون مرادفا للإرهابي، مما يمثل قمة التشويه لأحد المفاهيم الرئيسية في ديننا الإسلامي.

وعلى ذلك فإنه يمكن لنا تصور أنه خلال نحو جيل كامل من الآن من الممكن أن يصبح توصيف شخص ما في الغرب بأنه ييوفلى مثار للرعب وتوقع مشاركته في عمليات قتل وتدمير.

وإذا كان المجال ليس مفتوحا في هذا الحيز الضيق لاستعراض النقاش الواسع الذي استحوذ على جهد كثير من العلماء والباحثين بشأن تفسير مفهوم الجهاد، إلا أننا نتطرق إلى المفهوم من محور التركيز التي نكرس هذه الزاوية له وهو نظرة الغربيين.

إن محور وملخص هذه النظرة إنما تتمثل في عبارة أن «الإسلام دين السيف».. فالإسلام في الغرب، حسبما يذكر رودلف بيترز في كتابه حول «مفهوم الجهاد في الإسلام» عقيدة تقوم على العنف والتعصب ينشرها مقاتلون متوحشون يحملون القرآن في يد والسيف في اليد الأخرى. وقد حدث نوع من المزاوجة بين الصورة الذهنية القائمة في العقلية الغربية وتطورات العصر الراهن ما عزز من هذا الفهم.

وفي هذا الصدد فإنه لا يمكن تبرئة بعض فصائل الحركات الإسلامية من لعبها دور غير محدود في هذا التطور بسبب فهمها القاصر للدين. وهنا فما أشبه الليلة بالبارحة، فإذا كان الغربيون قد عمموا فهمهم الخاطئ للجهاد بحيث أصبح هو الفهم المعبر عن هذه الفريضة، فإنه يجري اليوم تكرار نفس الأمر ولكن على مستوى آخر.

حيث يعممون الفهم الخاطئ من قبل حركات محدودة لا تعكس سوى قطاع محدود من عالم الإسلام على المفهوم، والضحية في النهاية هو فريضة إسلامية يتم تشويهها بشكل غير مسبوق.

فمن ناحية فإنه إذا كان الإسلام قد حث على دعوة الآخرين إليه من أجل هدايتهم، فإنه من غير الصحيح محاولة الترويج أنه حدد الحرب وسيلة وحيدة لذلك، وقد استقر في العرف الإسلامي عدم تبرير خوض الحرب فقط من أجل هداية الآخرين.

ومن ناحية أخرى فإن فهم قطاع معين ومحدود لا ينبغي تعميمه على الكل، وهذه واحدة من أكبر مشاكل تعامل الغرب مع الإسلام والمسلمين. وعلى ذلك فإن المرء لن يجد سوى اتفاق على مستوى مختلف المرجعيات الإسلامية على أن خطف الطائرات مثلا ليس جهادا، وأن ترويع الآمنين والعدوان عليهم ليس جهادا.

ورغم ذلك فإنه يبدو أن المسلمين لن يملكوا دفعا لهذا الفهم الخاطئ والتشويه الحاصل في ضوء أن بعضهم جزء من المشكلة وسبب فيها .. فإذا كان يمكن تفهم «جهاد» حماس وحزب الله في مواجهة إسرائيل فهل يمكن تفهم رؤية عبد السلام فرج فيما ذهب إليه في «الفريضة الغائبة» من اعتباره الإطاحة بنظام حكم نوع من الجهاد، وهل يمكن تفهم ما قامت به القاعدة من تفجير لبرجي مركز التجارة العالمي باعتباره جهادا؟

إن المطلوب إسلاميا ما يمكن اعتباره خلق أو توليد ثقافة جهاد جديدة تقوم على تفهم حقيقي لمقاصد الدعوة للجهاد في القرآن والسنة، تفهم يقوم على استيعاب تطورات خمسة عشر قرنا من تطبيق المفهوم، واستيعاب تطورات عصر راهن .. فالمراجعة واجبة وباب الاجتهاد مفتوح، والوصول إلى توافق على المفهوم أفضل من تركه هكذا فريسة لكل من يريد.

مصطفى عبد الرازق