(سمير الصايغ) فنان تشكيلي حروفي لبناني تربطه بالحروفيّة علاقة طويلة، فقد كان واحداً من الذين نظموا وشجعوا هذا التيار، ثم من أكثر الذين وجهوا النقد له، خاصة بعد وقوع تيار الحروفيّة في مطب المقولات السياسية، على حساب الجوانب الفنية التي يجب أن تبقى الأهم. أبرز ما يميز تجربة الصايغ، الجسور التي تربطها بتجارب الفنانين الأوربيين الذين فتنوا بالقدرات التشكيلية المتفردة للحرف العربي.

ومارسوا فناً تجريدياً يتماهى في بعض جوانبه، مع تجريدية الفن العربي الإسلامي أمثال الفنان الروسي الأصل (فاسيلي كاندينسكي) والألماني (بول كليه) وهذا ما منح لوحة الصايغ، صيغة هندسية حداثية مردها اعتماد الفنان بشكل رئيسي، على الزخرفة الهندسية، والخط الكوفي المفتون به. يقول الفنان سمير الصايغ انه افتتن منذ البدء بالالتباس الإيجابي الذي يحمله الحرف العربي، فهو رمز ومصطلح وشكل واحتمال. وهو فيما بعد صار رقماً، وصار لغزاً وطلسماً. وفي الوقت الذي صار فيه عند البعض أداة سحرية، كان في الأساس مجلياً لوحي هذا التعدد الذي أدهشه ولا يزال يدهشه.

يشير الفنان الصائغ إلى أن الخط العربي، في الثلاثمئة سنة الأولى من الدعوة الجديدة، كان فناً قائماً بذاته، ولم يكن وسيلة من وسائل التواصل اللغوي. كان الخط يرتفع بنفسه ليكون لائقاً بالوحي. لم تكتب المصاحف الأولى لتُقرأ، كتبت لتزين قدر ما تستطيع النص الواحد، كان علينا منذ البدء أن نحفظ غيباً هذا النص، وإن قرأناه كان قراءته ترتيلاً. ويتساءل الفنان سمير الصايغ قائلاً: إذن ما دور الخط هنا؟ هذا التساؤل، قاده لأن يقف حيال الحروف موقف المتأمل، الباحث عن قدراتها الخفية، من أجل أن يستعين بتعدد وظائفها.

لقد انحاز الفنان الصائغ، منذ البداية، إلى الحروف كأشكال واحتمالات، وهي عندما تكون كذلك، فإنها تستجدي التغيير والتبدل والتعدد في تجلياتها، ومن هنا تحديداً، جاء ارتباطه بما سماه (القلم الصوفي)!!.

ويؤكد الفنان الصائغ، أن حالة خاصة تلبسته وهو يشتغل على هذا الاتجاه، فكان كلما خطا خطوة، اتسعت الطريق وطالت، لكنه في الوقت نفسه لم ييأس، خاصة وأنه شعر باستجابة عدد لا بأس به من المشاهدين والنقاد والمهتمين، لما يشتغل عليه، وهذا ما دفعه لمتابعة البحث وتعميقه.

أثناء عملية البحث والدراسة والمتابعة في عالم الخط العربي خصوصاً، والفن الإسلامي بشكل عام، التقط الفنان الصائغ ظاهرة ملفتة، توقف عندها مطولاً، وهي اعتبار العديد من الفنانين والباحثين والأدباء، أن الماضي هو المرجعية، لكنهم ما عرفوا تحديد هذا الماضي، فقد وقف الجميع، في مسألة الخط، عند الفترة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واعتبروا أن هذه الفترة هي القمة في إكمال الخط.

على العكس من هؤلاء جميعاً، يرى الفنان سمير الصائغ، أن هذه الفترة قمة الانحطاط لأنها انتصرت للشكلانية والقواعدية والحرفية. ويؤكد أن الماضي هو الروح وليس الشكل، أو القواعد. أو القدرات والخبرات.

ويرى الفنان الصائغ أنه إذا كان لا بد لنا من العودة إلى الماضي، فيجب أن تعود إلى فترة التأسيس الأولى، إلى فترة الخط الكوفي، وابن مقلة، وابن البواب، وياقوت المستعصي، وإلى مئات الخطاطين الذين لم يتركوا أسماءهم لتدل عليهم. أي علينا أن نعود لنقف أمام المبدأ الجمالي. إلى الفلسفة الجمالية وليس إلى الآثار. ويجزم الفنان الصائغ، أنه عندما ننسخ ونكرّر ونقلّد، نكون في الواقع ضد الماضي وضد الأصول!!.

د. محمود شاهين