في كل يوم يقدم لنا الإسلام حلولاً عصرية لقضايا جوهرية مزمنة يعاني منها العالم ـ ولم يغفل الإسلام حق الطبقات الكادحة والفقراء من الأمة في الزكاة من خلال أموال الأغنياء.. حرصاً منه على تطبيق مبدأ التكافل الاجتماعي الذي تتشدق به دول الغرب الآن دون أن يعلموا أن الإسلام قد أسس هذا المبدأ قبل أربعة عشر قرناً من الزمان عن طريق فرض الزكاة وإنشاء بيت مال لها.. يوزع دخله في مجالاته الشرعية التي حددها القرآن الكريم.

ومع ازدياد حالات الفقر ومحدودية الموارد وعدم مناسبتها لتنامي الاحتياجات الأمر الذي أفرز معه طبقات فقيرة وأخرى معدمة تبرز فكرة استثمار أموال الزكاة في مشاريع اقتصادية تدر ربحاً يتم توزيعه على فقراء المسلمين والمحتاجين، وحول هذه الفكرة نرصد آراء الخبراء والمتخصصين ورجال الدين، خلال سطور هذا التحقيق الذي أعدته (وكالة الصحافة العربية ):د.علي جمعة مفتي الديار المصرية يؤكد أن مشروع استثمار أموال الزكاة من شأنه أن يحقق هدفين أساسيين، هما القضاء على الفقر والبطالة من خلال استثمارها في مشروعات إنتاجية كاستصلاح الأراضي، فإذا افترضنا أن أموال الزكاة في أي قطر إسلامي قد تصل إلى 10 مليارات جنيه.

وتم صرفها على القطاعات الاستهلاكية فقط دون الاستفادة منها فسيبقى كل على حاله الفقير فقيراً والغني غنياً، بينما من خلال استثمار هذه الأموال يمكن تحويل مستحقي الزكاة إلى أعضاء منتجين من خلال استغلال هذه الأموال في مشروعات اقتصادية تعتمد على إنشاء مشروعات متكاملة تصنيعياً وتسويقياً ويقوم بذلك لجنة متخصصة في جمع أموال الزكاة، ولا مانع من تخصيص جزء من هذه الأموال في فلسطين وأفغانستان للتخفيف عن أبناء الشعبين.

وأضاف د. جمعة: إن المجتمعات الإسلامية في أشد الحاجة إلى التنمية البشرية والاقتصادية، مشيراً إلى أن منظمة المؤتمر الإسلامي بدأت بالفعل في دراسة تجميع أموال الزكاة واستغلالها في مشروعات لصالح الشعوب الإسلامية الفقيرة فالهدف الأساسي من التطبيق العملي لفريضة الزكاة هو تحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين إعمالاً للنص القرآني «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأركعوا مع الراكعين».

موارد متجددة

ومن جانبه يؤكد د. عبدالحليم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر على ضرورة وجود وعي جماهيري وتخطيط اقتصادي للاستفادة من هذه الفريضة بتوظيف مواردها بالشكل الصحيح الذي يمكننا من حل المشكلات الاجتماعية وتحقيق تقدم اقتصادي ملموس بتوفير الرعاية الصحية والتعليمية والمسكن الملائم لغير القادرين.

وأشار أن الزكاة ليست مجرد ضريبة مالية يدفعها المسلم كارهاً أو مجبراً وإنما هي عبادة يؤديها المسلم راغباً مختاراً، وإلى جانب أهداف الزكاة الاجتماعية والإنسانية، ونتيجة لتطور المجتمع وتغير ظروفه كان لابد من الاستفادة الاقتصادية داخل المجتمع الإسلامي في بعض مجالات العمل الاجتماعي والإنساني التي ينبغي أن تسهم موارد الزكاة فيها كإقامة المستشفيات والمدارس ومراكز التأهيل المهني للفقراء والمحتاجين.

أما د. شوقي دينا أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر فيؤكد أن دور الزكاة في مواجهة مشكلاتنا الاقتصادية ليس بالدور الهين، فهي تلعب دوراً أساسياً في علاج مشكلة الفقر ويمكن الإشارة إلى بعض جوانب هذا الدور بالنظر إلى مصارف الزكاة الثمانية، حيث نرى أن تأثير الزكاة في حل مشكلة الفقر لا يقف عند حد معين بل يتجاوز إلى نطاق الفقر المشمول بالزكاة واتساعه لكل ما يحقق المستوى الحياتي الكريم إذا ما استغلت في شكل اقتصادي استثماري.

ورفض د. شوقي الاتهامات والمغالطات القائلة بأن التوسع في الزكاة أو استثمارها يخلق فئة من العاملين المتكاسلين عن العمل إذ إن تشريع الزكاة لا يعطي الفقير القادر على الكسب والمتاح له ذلك.

وبالتالي لا يزيد من حدة البطالة بل هو يواجهها بأسلوب غير مباشر ويقدم تشريع الزكاة من الوسائل والأدوات المالية والمعنوية ما يساعد الفرد على إشباع حاجاته ويحيله إلى قوة عاملة بالفعل، وبالتالي فإن استثمار أموال الزكاة يخلق نشاطاً اقتصاديا جديداً ويحول طاقات معطلة إلى قوى منتجة.

فكرة جيدة

ويرى د.علي لطفي رئيس وزراء مصر الأسبق، أن استثمار أموال الزكاة بشكل صحيح يدر ربحاً وفيراً ودخلاً مضافاً إلى قنوات الدخل القومي من خلال المشروعات الاقتصادية وهذا يعد عملاً نافعاً ومستحباً، حيث يزيد من عدد المستفيدين من هذه الأموال وتصبح الفكرة جيدة وقابلة للتنفيذ بشرط ألا تصدر الحكومة قانوناً يلزم المواطنين بجمع هذه الأموال.

وأن تتولى إحدى الجهات الإسلامية، الإشراف على جمع هذه الأموال وتشغيلها وإنفاقها على مستحقيها من خلال لجان متخصصة تقوم بعملها طبقاً لنظرة إسلامية وبعناصر إسلامية وتكون هذه اللجان شبيهه ببيت المال وتمارس دورها في إيجاد الحلول المناسبة لما يواجه مجتمعاتنا من مشاكل اقتصادية وكذا المشاكل الاجتماعية والعسكرية.

وأكد د. لطفي على أن الجو الآن مهيأ لوجود مثل هذه اللجان والمؤسسات، خاصة وأن هناك قطاعات كثيرة من المجتمع تعرف أهمية ودور الزكاة على الأفراد والمجتمعات، وبالتالي فإن استثمارها في مشروعات شتى بات أمراً ضرورياً.

تطورات جذرية

ويرى د. شريف قاسم بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن العالم يواجه متغيرات وتطورات جذرية أثرت بشكل قوي على اقتصادات الدول وعلى الجميع التفكير في حلول بديلة وأشكال أخرى للخروج من أزمة الاقتصاد المرتبطة بالآخر.

ومجتمعنا الإسلامي له العديد من البدائل أبرزها استثمار أموال الزكاة بعيداً عن الروتين الحكومي بمرونة وتلقائية من خلال جمعيات يكون الأهالي أنفسهم أعضاء في مجالس إدارتها وذلك من خلال مساعدة الشباب الخريجين في المشروعات الصغيرة والحرفية التي يديرونها سواء بمشاركاتهم أو بمنحهم قروضاً بفوائد ميسرة.

وأشار د. شريف إلى أن العائد المادي من أموال الزكاة كبير جداً واستغلاله بالشكل الصحيح يمثل طفرة وانقلاباً إيجابياً في الاقتصاد الإسلامي العربي إلا أن الزكاة ليست من الموارد العامة للدولة لأن المشرع الإسلامي خصص أوجه صرفها.

وبالتالي فإن دور الزكاة المباشر في خطة التنمية الاقتصادية للدولة محدود بالقدر الذي يمكن للدولة أن تأخذه إذ لها أن تقتطع ثمن الحصيلة عند مباشرتها لعمليتي التحصيل ووضع الحصيلة في مصارفها الشرعية، وبما أن هذا لا يحدث فاستثمار أموال الزكاة سيساعد على حل الكثير من المشاكل التي تواجهها الدولة.

ويبقى ضرورة القول بواجب استثمار أموال الزكاة من خلال لجان وجمعيات بعيدة عن النظام الحكومي حتى نحقق الفائدة المرجوة، وعلينا أن نعلن أن الاقتصاد الإسلامي هو سبيلنا للنجاة من التبعية وأموال الزكاة بداية الغيث الذي قد يحيل حياتنا ويرفعنا إلى مصاف الدول العظمى.

السبل الأفضل

وعلى نفس المنوال يؤيد د. رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر فكرة استثمار أموال الزكاة، وأشار إلى أن هذه الأموال لو استثمرت جيداً ستؤدي إلى تحسن كبير في مستوى معيشة الأفراد وبالتالي تحقيق التنمية على مستوى المجتمع كله.

ويطالب بتشجيع وجود المؤسسات التي تتولى الاستثمار في أموال الزكاة، حيث أن الحاجة إليها أصبحت من متطلبات العصر الحديث، وأضاف أن النظام الاقتصادي الإسلامي من خلال عدد من الأدوات منها الزكاة يهدف إلى عدم تعطيل المدخرات الخاصة عن أداء وظيفتها في الاستثمار والتنمية بهدف الوصول إلى التشغيل الكامل لعناصر الإنتاج المتاحة والممكنة.

ولما كانت الزكاة تفرض على رأس المال وما ينتجه خلال العام فمن شأن هذه الطبيعة الخاصة للزكاة أن تحفز رأس المال للاستثمار وليس التعطل واعتبار رأس المال النقدي مالاً نامياً سواء نماه صاحبه أو عطله، وبالتالي فإن جمع الزكاة واستثمارها سيعود على الجميع بالخير ويساعد مجتمعاتنا على مواجهة التحديات التي تفرض على عالمنا وواقعنا.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية :