تظل المساجد التسعة والثلاثون التي أعلن، مؤخراً، أنها ستشق طريقها نحو أفق دبي، في غمار النهضة العمرانية الهائلة التي تشهدها حالياً، من أبرز القضايا المعمارية الجديرة بالتوقف عندها والاهتمام بها ومناقشتها.

المشكلة الحقيقية هي أنه بخلاف هذا الرقم، والأفق المستقبلي للموضوع برمته، وكون فعاليات القطاع الخاص هي القائمة على إنشاء هذه المساجد، فإنه لم يعرف شيء عنها، ونأمل أن يتم تدارك هذا في المستقبل القريب وإلقاء الضوء عليها.الأهمية المطلقة لهذه المساجد التسعة والثلاثين أمر بديهي، ولكن من المهم بالقدر نفسه التشديد على ضرورة أن تكون هذه المساجد من حيث تصميمها عنصراً من عناصر تكامل النسيج الحضري للمدينة وتناغمه، فنجد أنفسنا حيال التحقق الوظيفي، وأيضاً الارتقاء الجمالي، وخاصة بالأحياء والمناطق السكنية، التي تشكل هذه المساجد أهم ما فيها على الإطلاق، وظيفة، ورمزاً وإحالة وإطلالة سيميولوجية على فضاء المدينة.

أنظر ما يقوله الدكتور إسماعيل سراج الدين نائب رئيس البنك الدولي سابقاً في هذا الصدد، حيث يشير إلى أنه: «مع نمو المدينة واتساعها، فإن تنظيم الأحياء يعني أن المساجد المحلية، التي تختلف عن المساجد الكبيرة الجامعة، تؤدي دوراً كبيراً في تحديد هوية الجماعة المحلية ومنحها نقطة بؤرية. حقاً إنه في داخل هذا السياق الحضري تنهض أنماط مختلفة من المساجد، وتتراوح بين مساجد الدولة الكبرى وصولاً إلى الزوايا الصغيرة، وهذه المساجد كلها تندرج في فضاء المدينة، والكثير منها ترتبط بوظائف الجماعة المحلية مثل المدارس والجمعيات الخيرية».

انتهى كلام د. سراج الدين، لتبدأ حيرتنا، فلست أدري على وجه الدقة أين بالضبط في هذا النطاق المسجدي الهائل الذي حدده المعماري الكبير ستندرج مساجد دبي التسعة والثلاثون.

ولست أريد القفز إلى النتائج بآلة من التكهن، ولكنني أحسب أن رقم هذه المساجد يحيل إلى مساجد الأحياء، التي تخدم جماعات محلية متقاربة ومتوادة ومتراحمة.

وأحسب أيضاً أن هذه المساجد ستنشأ في أحياء جديدة، وهنا يحضرني ما يقوله المعماري العربي الكبير راسم بدران عن لقاء الزمان والمكان والقداسة في السياق المعماري المسجدي.

إنه يقول: «عندما يؤدي المسلم الصلاة، سواء أكان ذلك في مسجد أم لم يكن، فإن الأرض التي تقام فيها الصلاة تصبح مقدسة خلال أدائه لها. وهذه الصلاة تقام خمس مرات في اليوم والليلة في مواعيد ثابتة مرتبطة بالنظام الشمسي ومن الناحية الجغرافية على أساس توجيه واحد إلى نقطة ثابتة، هي القبلة.

وهذه الوحدة في وقت الصلاة واتجاه اقامتها تمنح النسيج الحضري للمدينة نوعاً من القداسة الهيولية، الراجعة إلى الأماكن دائبة التغير خارج المجالات العضوية الدائبة للمساجد ذاتها. وهكذا فإن قداسة مكان ما تصبح عميقة الجذور تزداد عمقاً مع توالي الأجيال».هذا كله يعيد التأكيد على الأهمية الخاصة لمساجد الأحياء، التي تتحول إلى عناقيد نور ترصع آفاق أحياء المدينة.

غير أن هذه المساجد بصفة خاصة تحمل، على الصعيد المعماري، مخاطر حقيقية، فهي إذا لم تلق ما تستحقه من اهتمام ورعاية تحولت إلى مجرد مساحة تؤدي المراد منها وظيفيا، أما إذا حظيت بهما فإنها بحمولاتها الرمزية تغدو، كما قلنا، نوراً في الآفاق والقلوب، يمتد بلا انتهاء جيلاً بعد جيل.

هكذا فإنها تحمل معها حشداً من التحديات لمن يصممها ويقوم على تنفيذها، وتحفل دبي بالعديد من مساجد الأحياء التي واكبها التوفيق انشائياً وجمالياً بلا حدود، وكما أن بها ما هو غير ذلك أيضاً.

وفيما نأمل أن تنتمي المساجد الجديدة إلى فئة المساجد التي يوفق القائمون عليها، دعنا نتأمل ملامح مسجد الصحابة في منطقة المزهر الثانية الذي أنشئ العام الماضي بإشراف عائلة الحساوي.

أنظر أي توفيق أصاب عدنان سفاريني في جهده لبناء مسجد يجمع بين البساطة والقوة والبهاء، ويقدم النقطة البؤرية في حي حديث الإنشاء ليشع بحمولاته الرمزية وقدرته على استقطاب القلوب والأبصار.

ترتفع مئذنة المسجد في تناسب مع بيت الصلاة، وتكتسي القباب بالضلوع الزخرفية، وتنهض للقياك عقود رهيفة تعتمر في حنو أروقة تعانق الظل الظليل، من غير أن يغيب عنها الضوء، الذي ترشحه شبكات زخرفية حانية.

يميل المشروع الزخرفي لهذا المسجد إلى التقشف والاكتفاء باللمحات الموحية، في انعكاس مباشر للتفضيلات الراسخة لدى أبناء هذه الأرض الطيبة.

لكن ذلك لن يحجب عنك جماليات الزجاج المعشق، ولا التوظيف الناجح لمادة الخشب، وتحقيق انسياب الضوء عبر سلسلة أجيد توزيعها من القناديل التقليدية.

ولا يتوقف المشروع الزخرفي عند هذه المفردات، فهناك التوظيف البارع للجص، والعربسات، والتأثيرات النباتية والزهرية والهندسية.