أخرج أبو داود في سننه بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا برجل من الأنصار يقال له أبو أمامه، فقال: «يا أبا أمامة مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟» قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم:
«أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟» قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي، وقضى عني ديني».
تعتبر التربية الروحية من أهم المصادر التي تزود النفس الإنسانية بمشاعر السعادة، وتضفي عليها مزيداً من الاطمئنان والاستقرار والأمن الذي يحفز الإنسان ويدفعه لتحقيق أهدافه المنوطة به في هذه الحياة الدنيا.
وإذا استغنى الإنسان عن هذه التربية الروحية التي تربطه بربه، فإنه سيصبح هدفاً سهلاً لتصيبه الأمراض النفسية المختلفة من هم وغم وكرب وحزن وقلق واضطراب واكتئاب وأمثالها مما شاع في المجتمعات الإنسانية الحديثة نتيجة بعدها عن ربها، وشعورها بالاستغناء عن ذلك المصدر، وهذه الحقيقة أشار إليها القرآن الكريم صراحة حيث قال تعالى: «فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً» طه 23-24.
والحديث الذي معنا يحمل إشارة نبوية هادفة تبين اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالتربية الروحية حيث كان يتعهد أصحابه ويراقب أحوالهم، ويسأل عن أوضاعهم، ويقدم لهم العلاج لأمراضهم فهذا صحابي جليل لازم المسجد بسبب هموم لزمته، وديون أرهقته، فيسارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى كشف ذلك الهم ورفع ذلك الغم من خلال تعليمه لأدعية تربطه بربه، وتشعره بمعيته وأنسه وعونه، وهذه المعاني عندما يلازمها الإنسان صباح مساء تكسبه الشعور بالأمن وتجعل همه هماً واحداً .
وهو رضا الله وثوابه الذي يذلل الصعاب، ويجعل لكل ضيق مخرجاً، وهذه المعاني حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تعليمها لأصحابه من خلال الأدعية الكثيرة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن تلك الأدعية ما رواه أبو داود في سننه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، واصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت».
وعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له» وفي رواية: «إني أعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس» الترمذي.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار، ويوصي أصحابه بذلك، فإن كثرة الاستغفار تفرج الكروب، و تكشف الهم والغم، وتوسع الرزق، فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب» أبو داود.
د. أبو بكر علي الصديق