الصلاة صلة بين العبد وربه، أذن الله له أن يناجيه خمس مرات في اليوم، ينسل من ضوضاء العمل وصخب الغادين والرائحين ويتسلل من عناء الأخذ والعطاء والبيع والشراء، ويقف في مصلاه يتخلى عن كل هذه المزعجات، فتهدأ نفسه، ويطمئن قلبه، ويستريح جسمه، وينطفئ غضبه وتتقيد شهوته، ويمكث دقائق يناجي من يحب.
والحب أعظم ما يكون إذا انفردت بمن تحب ويسأل مولاه العون والتأييد ويستمنحه القوة في الخير والصبر على المجاهدة والعفو إن أساء إلى أحد من الخلق، فتكون هذه الدقائق بمثابة شحنة من المدخرات وتبريد للمحركات.
ومن هذا المنطلق السامي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه (أي أهمه) أمر فزع إلى الصلاة، وإذا عاد منهك القوة في قتال الأعداء قال: يا بلال أرحنا بالصلاة، أي ان الصلاة راحة لنا من معاناة الحياة ومشكلاتها.
والإنسان مخلوق ضعيف محدود القوة لا يستطيع العمل المتواصل، فلابد له من استراحة جسمية وعقلية، ولا يتسنى ذلك له إلا في الصلاة، والراحة نصف حياته، ولهذا جعل الله تعالى الليل سكنا والنوم راحة وسباتاً.
نعم والصلاة حاجة ضرورية جداً تستدعيها حياة الإنسان كما تستدعي الطعام والشراب، ذلك ان الطعام قوام الجسم ومادة العيش، والصلاة قوام الروح ومادة الطمأنينة، ترفع صاحبها عن سفاسف الأمور، فيستقيم في شؤونه كلها، كاستقامته بين يدي ربه في الصلاة.
والصلاة حاجة ضرورية جداً للإنسان لأنها تهذب أخلاقه وتشذب طباعه وتحول بينه وبين بؤر الفساد والزيغ وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وكيف يرتكب الخطايا من يعلم أنه سيقف بعد قليل بين يدي ربه عز وجل، ولا يقبل منه هذا الوقوف إلا إذا كان طاهراً في قلبه ونفسه وأعضائه؟ ألم تر كيف كف أكثر المسلمين عن الخمر لما نزل قوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فكيف يقربونها وهم متلبسون بجريمة السكر؟
والصلاة ميزان يزين للإنسان أعماله التي قام بها بين الصلاتين كما يزن الطبيب حرارة المريض بين فترة وأخرى، فإن كانت أعماله صالحة قالت له ثابر وتقدم، وإن كانت دون ذلك قالت له ارجع واستقم، وإذا سمع المؤذن يعلن (الله أكبر) انتبه إلى حاله وأدرك ان الله أكبر مما هو فيه، فانسل من دنياه ولبى نداء الله.
إن من يصلي إنسان يرجى فيه الخير والاستقامة وإن كنت تجده في كثير من أحواله منحرفاً، إذ لابد من أن تردعه صلاته يوماً ما عن هذا الانحراف، لأنه يقرأ في صلاته القرآن، ومهما يكن غافلاً فيها فلابد أن تمر به لحظات يتدبر فيها معاني ما يقرأ فتهتز أوتار قلبه، وهذا يؤيده قوله تعالى: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» أما من لم يصل فلا يقرأ القرآن ولا ينتفع بشيء منه ويبقى سادراً في غيه متخبطاً في آثامه.
وصلاتنا إعلان صريح عن حبنا لله تعالى واعترافنا بفضله وشكرنا على نعمه، وحق على العبد أن يقف خمس مرات في اليوم يبدأ الصلاة بقوله: (الحمد لله رب العالمين).
الصلاة عون لك في الشدائد وحل لعقد المعضلات وعامل أساسي في توثيق الرباط بين المسلمين والمساواة بين الناس والمحافظة على النظام والسمو على كل ما في الدنيا، ولا شك أن لهذا فوائد صحية ورياضة جسمية بشكل لطيف على الجسم، تحركه ولا ترهقه، فالصلاة كلها خير لدنيانا وأخرانا.
زكريا الطحان