عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير وقد أثر في جنبه فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال: «مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا الا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الإمام الترمذي في صحيحه.

يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الدنيا وزخرفها ويصف نفسه فيها بأنها قنطرة إلى الدار الآخرة فيقول: مالي وللدنيا، والدنيا لا تسمى دنيا إلا لدنوها، وقصرها وخيبة آمالها، فهي دار ممر وليست دار مقر والعاقل من فهم هذه الحياة وعمل لما بعد الموت فالرسول يصف نفسه عندما يقول:

ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل بشجرة ثم راح وتركها دلالة على الفترة الزمنية القصيرة فهي لا تستحق، فلو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، هذه هي الدنيا التي يحرص عليها كل الحرص البعيد عن منهج الله ويؤمل فيها ويستبعد الموت وكأن الموت على غيره قد كتب ولكأنه يعيش مخلداً حتى تأتيه ساعته فالناس في غفلة إذا ماتوا انتبهوا.

في هذا الهدي النبوي الشريف تبدت حياة السفر والراحة لدى محطات معينة ليلتقط المرء أنفاسه ويقي نفسه الحر في تلك الأراضي الفسيحة وهذا الهدي النبوي الشريف يعتبر من مظاهر مشاهدات البيئة العربية التي استخدمت في صورة الحديث فلقد شبه الدنيا بالشيء البسيط الذي ينعم به المسافر ثم يتابع مسيرته الشاقة فهي سريعة الزوال يتضاءل منها إلى هنيهات وهذه الصورة الزمنية تلوح بالحسرة وفوات الزمن كما تنبئ بهذه الأفعال الماضية.

«استظل، راح، تركها» الدالة على السرعة أي سرعة المرور وسيلان الزمن، وقد جاء التعبير بأحكام التأكيد «ما أنا إلا كراكب» والصورة لمسية أيضاً إذ يحس المرء بالظل البارد تحت الشجرة وكأنها توحي بحرارة جهنم ويمثل طول السفر بالنسبة إلى هنيهة الاستراحة طول المكث في يوم القيامة وسرعة فوات الدنيا.

والتعبير بالظل الحسي غير المقبوض باليد الظل الزائل يشير بالحسرة العميقة على انقضاء الملذات وعلى التقشف وفي لفظه «تركها» تشير بالحسرة أيضاً وتشبع معنى الابتعاد والانقطاع إذ هو رائع على أية حال كما في لفظه «راح» ولكن لفظه «تركها» دلالة على الحسرة العميقة والاستدبار الأليم والهزيمة النفسية التي هي بالغة الأثر وذلك للقرب اللصيق من الفناء وتلاشي الذات.

فاستخدام الفاء الدالة على الترتيب مع التعقيب واستخدام النفي ما أنا إلا لدلالة التأكيد بين النفي وإلا التي تفيد الحصر «ما أنا في الدنيا إلا كراكب» واستخدم حرف العطف ثم الذي يفيد الترتيب مع التراخي.

كل هذا يبين البلاغة للرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم وصدق الله إذ قال له «وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما».