يقول الله تعالى: «كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين»(الحشر: 17، 16).

هؤلاء المنافقون الذين غرروا باليهود، وزعموا أنهم معهم في كل حال، فلو أخرج اليهود فسيخرجون معهم، ولو قوتل اليهود فسيقاتلون معهم، ولو قاتلوا معهم وصدقوا في زعمهم، فلن يتقدموا صفوف المعركة، وإنما يولون الأدبار ويتخلون عنهم ويسببون لهم الهزيمة، فمثل هؤلاء كمثل الشيطان الذي يحض على الكفر ويحرض عليه، وعندما يستجيب الإنسان لنداء الشيطان، يتنصل منه ويتبرأ، ثم يقول له في موقف الشامت:

إني بريء منك لأني أخاف الله رب العالمين. فماذا بعد هذه السخرية والتضليل؟ يأمره ويدعي نصحه، فإذا رضخ له قال له هازئا به: إني أخاف الله رب العالمين، ولا ينفع الإنسان عذر بعد هذا، فلا يقول:

إن الشيطان مكر بي، لقد سوى الله بينهما في العقوبة والنكال في النار خالدين فيها، وذلك جزاء على الظلم الواقع منهما، لأن الإنسان يجدر به أن يستعمل عقله وفكره.

وألا يستجيب لناصح إلا داعي الخير، فما أغنت عنهم أعذارهم، والله لم يقبلها منهم، فكان الجزاء العذاب الأليم لهما، وهذه عاقبة الظالمين. كذلك هؤلاء المنافقون ظلوا يحرضون اليهود على الكيد لرسول الله، والنيل منه، وزعموا لهم كذبا، أنهم متعاونون معهم في كل حال، حتى أحيط بهم، ووقعوا في الشرك، ودخلوا المصيدة. قال المنافقون لهم:

إننا لا نملك لكم شيئًا، ولا نستطيع أن ندفع عنكم ضرا، وبدأوا يعلنون تنصلهم منهم وتخليهم عنهم، ولكن ماذا بعد هذا؟ لقد وقع الجميع في شرك المصيدة، ولم تنطل الخداعات، وظهرت الحقائق، والعجب العجاب أن اليهود هم الذين جندوا هؤلاء لحرب الإسلام ورسوله، والكيد لجماعة المسلمين، فلما تعلموا منهم دروس النفاق، بدأوا بالانقضاض عليهم فارتد كيدهم إلى نحورهم، وصدق الله العظيم: «فمن نكث فإنما ينكث على نفسه»(الفتح:10).

يحدثنا الإمام السيوطي عن هذا المثل وقصته يقول:مثل الله المنافقين الذين أغووا اليهود من بني النضير، ثم خذلوهم بالشيطان، فإنه يغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه، والمراد بالشيطان والإنسان هنا الجنس.

وقيل: أراد الشيطان الذي أغوى قريشا يوم بدر، وقال لهم: إني جار لكم، وقيل: المراد بالإنسان برصيص العابد، فإنه استودع امرأةً فزين له الشيطان الوقوع عليها، فحملت، فخاف الفضيحة، فزين له الشيطان قتلها، فلما وجدت مقتولة تبين فعله فتعرض له الشيطان، وقال له: اسجد لي وأنجيك، فسجد له وتبرأ منه.

وهذا ضعيف في النقل، والأول أرجح. وهذا الكلام بنصه ورد في كتاب التسهيل في علوم التنزيل للغرناطي، وأشار إليه البيضاوي، وأورد هذه الآراء جميعا، وكذلك الرازي والنيسابوري. أما الترمذي فقد أورد قصة برصيصه العابد مع الشيطان بالتلميح لا بالتصريح، فقال: مثل المنافقين مع بني قريظة وبيعتهم إياهم كمثل الشيطان مع برصيصه، إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر، قال الشيطان له:

إني بريء منك، تبرأوا منهم، وعاقبة الكل في النار كعاقبة الذين في النار. والإمام الترمذي قال: إن هذا المثل للمنافقين من بني قريظة، بينما قال معظم المفسرين: هذا مثل المنافقين مع بني النضير، وعلى رأسهم الإمام الطبري، فقال:

مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من بني النضير النصرة إن قوتلوا، أو الخروج معهم إن أخرجوا ومثل بني النضير في غرورهم إياهم وبإخلافهم الوعد وإسلامهم إياه عند شدة حاجتهم إليهم وإلى نصرتهم إياهم كمثل الشيطان الذي أغر إنسانا ووعده على اتباعه وكفره بالله النصرة عند الحاجة إليه، فكفر بالله وأتبعه وأطاعه. فلما احتاج إلى نصرته أسلمه وتبرأ منه، وقال له:

إني أخاف الله رب العالمين في نصرتك. ثم وضح اختلاف أهل التأويل في الإنسان الذي قال الله جل ثناؤه: إذ قال للإنسان أكفر: هو إنسان بعينه أم أريد به المثل لمن فعل الشيطان ذلك به؟ ثم ذكر رواية بعضهم أن المقصود إنسان بعينه وهو ذلك العابد الذي فجر بالمرأة وقتلها، وأسندها إلى رواتها، وذكر هذه الرواية بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة، وبعد أن استطرد في ذكر هذه الرواية قال الطبري، وقال آخرون:

بل عنى بذلك الناس كلهم وقالوا إنما هذا مثل ضرب لبني النضير في غرور المنافقين إياهم، وأسند هذه الرواية الأولي إلى علي رضي الله عنه وغيره، والمنافقون بمزاعمهم الكاذبة، وأقوالهم المتناقضة مع اليهود من بني النضير ظهروا بمظهر الخذلان، كذلك فإن اليهود رغم هذا كله ما كانوا يأمنون جانبهم، فالمثل الذي معنا يصور مواقف المنافقين من يهود بني النضير.

وقد ضرب لليهود هذا المثل حتى يعرفوا مواقف حلفائهم من المنافقين. ولهذا يقول الإمام الخازن ثم ضرب مثلاً آخر للمنافقين واليهود جميعا في تخاذلهم وتخلي بعضهم عن بعض، فقال تعالى: «كمثل الشيطان»، أي مثل المنافقين مع بني النضير وخذلانهم إياهم كمثل الشيطان. واستدل لهذا برواية ابن عباس التي قال فيها: ضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة.

وذلك أن الله أمر نبيه بإجلاء بني النضير فدس المنافقون إلى اليهود، وقالوا: لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم... إلخ. ويشير إلى أن التمثيل للمنافقين واليهود معا الإمام الغرناطي، فموقف المنافقين مع اليهود موقف مشترك، كلاهما لا يأمن جانب الآخر، بل ولا يطمئن إليه.

ولا يثق فيه، فلا وفاء لوعد، ولا رعاية لعهد، لأن الضمائر ميتة، والذمم خربة، وماذا بعد أن يغري المنافقون اليهود على القتال ويعدوهم بالنصر، ثم يتركوهم عند احتدام المعركة؟ يقول الزمخشري: مثل المنافقين في إغرائهم اليهود علي القتال ووعدهم إياهم النصر، ثم مشاركتهم لهم وإخلافهم «كمثل الشيطان»إذا استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرأ منه في العاقبة. ويعقب الفقهاء علي هذا المثل بقولهم :

بهذا المثل الموحي تنتهي قصة بني النضير، وقد ضمت في ثناياها، وفي أعقابها هذا الحشد من الصور والحقائق والتوجيهات، واتصلت أحداثها المحلية الواقعة بالحقائق الكبرى المجردة الدائمة، وكانت رحلة في عالم الواقع وعلى عالم الضمير، تمتد إلى أبعد من حدود الحادث ذاته، وتفترق روايتها في كتب البشر بمقدار ما بين صنع الله وصنع البشر من فوارق لا تقاس.

لقد كان هذا المثل ضوءًا كاشفا، ليس للتصرفات الخارجية والظاهرة، إنما هو ضوء كاشف للدخائل، والنوايا والعزائم، ومكامن النفوس، وطوايا الأفئدة والقلوب، والتي انطوت عليها قلوب المنافقين، وماذا بعد أن ترفع الأستار، وتتبدد الحجب؟

إن هذا المثل كشف طبيعة مريضة وتصرفا غير سوي، وجعل الغائب حاضرا والبعيد قريبا، وإذا كان البشر في استطاعتهم أن يصفوا الأمر الظاهر حاضرًا والبعيد قريبا، وإذا كان البشر في استطاعتهم أن يصفوا الأمر الظاهر بالأسلوب المتاح لهم، لكن الأمر هنا يختلف من جميع النواحي، فليس الأمر أمر أسلوب، وإنما الأمر هنا تعبير عن دخائل، وتوضيح لمكنونات، وكشف لطوايا زادها الأسلوب جمالاً.

وماذا كانت العاقبة المنافقين واليهود في الدنيا؟ كانت الخذلان والطرد، فالمنافقون عزلوا بعد أن انكشف أمرهم، واليهود أخرجوا من المدينة بعد أن أجلوا عنها وفي الآخرة الخلود في النار، فهذا جزاء الظالمين، واستوي المحرض والمحرض كحال الشيطان مع الإنسان، يظل الشيطان يأمر الإنسان بالكفر والعصيان، وعندما يستجيب له، يسخر منه ويهزأ به، ويتندر عليه بقوله:

«إني أخاف الله رب العالمين». فكان عاقبة الشيطان والإنسان أنهما في النار، وليس لفترة، وإنما خلود أبدي وهذه العقوبة ليس فيها تجاوز ولا ظلم، ولا شطط ولا تعسف، وإنما الجزاء من جنس العمل، وذلك جزاء الظالمين، والمثل فوق هذا يصور حادثا وقع ليكون عبرة لأولي الألباب، حتى يعرف المؤمنون عدوهم ويأخذوا حذرهم.

«وكالة الصحافة العربية»