جاء رمضان على شريحة كبرى من اللبنانيين هذا العام وهم يعانون من وضع اقتصادي ونفسي سيئ، خصوصاً بعد العدوان الإسرائيلي، ما حرمهم من استقبال الشهر الكريم، بالفرح الذي يليق به.

فانشغال الناس بالركض وراء ما يسد حاجتهم، إضافة إلى عِظَم تداعيات الدمار الذي حل ببلدهم، واختلاف سياسييهم، كلها عوامل سرقت الفرح الذي يشيعه عادة قدوم شهر رمضان.حتى الشوارع التي تزدان عادة بالزينة الرمضانية في كل عام، خلت من هذه السنة من المظاهر، التي تقوم كل سنة المؤسسات التجارية بالمبادرة إلى تعليقها في الأماكن المتواجدة فيها، بسبب انشغالها هذا الموسم بمحاولة التعويض عن الخسائر التي لحقت بها جراء العدوان الإسرائيلي، وهو ما ينطبق على ليل العاصمة بيروت الذي خلا من الخيام الرمضانية والبرامج التي كانت تعدها المقاهي والمطاعم في كل سنة بسبب تراكم الخسائر عليها هي أيضاً نتيجة ما حدث.

ولكن يبقى الناس، وخصوصاً ذوي الدخل المحدود منهم، هم الأكثر تضرراً، خصوصاً أن بينهم من لا يزال مهجراً بسبب تهدم منازلهم بالقصف الإسرائيلي، وفاطمة حيدر، 46 عاماً، من هؤلاء.

فقد هلّ الشهر الكريم وهي تشعر بإحباط شديد. فبعدما دمر القصف الإسرائيلي شقتها في حارة حريك في الضاحية الجنوبية، تعيش حالياً مع أولادها، خمس بنات وشابان، مهجرين في منزل شبهته ب«ملجأ» في طابق أرضي ببناية في «حي السلم»، الذي يعد أكثر الأحياء شعبية في الضاحية.

تؤكد فاطمة إنها لا تعيش من أجواء رمضان سوى الصيام والامتناع عن الطعام والشراب، بسبب غياب أجواء الفرح التي عادة ما ترافق هذا الشهر الكريم، مشيرة إلى أنها وعائلتها يعيشون كفاف يومهم، بعد العدوان الذي ترك ولديها من دون عمل، إلى أن تمكن أحدهم قبل أيام من البدء بالعمل في أحد الأفران، لذا فهم يصرفون على حياتهم مما تبقى من مدخراتهم التي كادت تنفد.

وعن سفرة رمضان، التي يحار اللبنانيون عادة في أصناف الطعام التي يضعونها عليها، اعترفت فاطمة أن أحوالهم المادية تجعلها أقل تنوعاً وأقل غنى، لكنها شكرت الله على نعمته.

نجلها حسن، البالغ من العمر 25 عاماً ولديه ولدان صغيران، أحدهما ولد قبل أيام، لا يزال يعيش وزوجته مع العائلة، وقد بدا أكثر مكابرة من والدته في الحديث عن الضائقة المالية التي يعيشونها.

حسن، الذي بدأ العمل في أحد الأفران في المنطقة الشرقية من العاصمة بيروت، قال إن «الوضع الذي نعيشه طبيعي، خصوصاً أننا خارجون من حرب، ولا بد لذلك أن يؤثر أيضاً على الأوضاع النفسية للناس»، محمّلاً الدولة اللبنانية «مسؤولية الظروف الاجتماعية التي يقاسيها اللبنانيون وغلاء الأسعار في البلد، وأعطى سعر الخسة مثلاً على ذلك، إذا بلغ سعر الواحدة حوالي 3 آلاف ليرة لبنانية، أي ما يوازي دولارين أميركيين، بعدما كانت بنحو ثلثي الدولار في أسوأ الأحوال.

وطالب الشاب الدولة بتخفيف الضغط السياسي والاجتماعي على الناس، كما طالب بعض الفرقاء السياسيين بالكف عن مهاجمة المقاومة وإتباع سياسات أميركية وغيرها.

وعن بيتهم الذي دمره القصف الإسرائيلي خلال العدوان الذي شنته إسرائيل واستمر 33 يوماً على لبنان (من 12 يوليو وحتى 14 أغسطس الماضيين)، قال حسن إن حزب الله أبلغهم أن العمل في إعادة تشييد المبنى الذي كانت الشقة موجودة فيه سينتهي بعد نحو السنة من الآن.

عائلة حسن حمادي، 45 عاماً، حالها أسوأ كثيراً من عائلة فاطمة. فالرجل، الذي يعيش في ضواحي بيروت، يغوص وعائلته تحت عتبة الفقر، فهو بالكاد يعمل، ومنزله الصغير، ينحشر في 6 أولاد وزوجة مريضة بحاجة لعلاج من أمراض مزمنة.

يعترف حسن بأن حاله كانت سيئة، ولكن العدوان الإسرائيلي وما رتبه من تهجير وتعطيل في أعمال الناس والدمار، فاقم الأمر وجعله حياة عائلته أكثر صعوبة.

وعن أجواء رمضان، كانت ابتسامة حسن الصفراء و«الحمدلة» التي تلفظ بها بصوت خفيض، كافية لتعكس صعوبة الوضع الذي هم فيه.

بدوره، زكريا اسكندر، 35 عاماً، لا يزال مهجّراً عن بيته، الذي يرقد ركامه وركام محل الأحذية كان يملكه في المبنى نفسه، في منطقة «المربع الأمني» في الضاحية الجنوبية.

زكريا وعائلته كانوا «ممسوحين»، كما قال. أي بلا مال، عندما هربوا من الضاحية خلال الحرب. فاستأجر،، بمساعدة أصدقاء، منزلاً صغيراً مكوناً من غرفتين، لم تكونا تتسعا للجميع، ما كان يضطره إلى مبيت ليالٍ عدة في السيارة، أو يتناوب على الفراش مع أخيه.

وخلال فترة الحرب، تفرغ زكريا، المتزوج وله ابنتان صغيرتان جميلتان يحتفظ بصورتين لهما في حقيبة الكتف التي تلازمه، لنشاطات الإغاثة التي يقوم بها ناشطو الحملة المدنية للإغاثة، ومقرها في شارع سبيرز، بمنطقة الحمراء في بيروت.وكان العمل في الحملة على توصيل مواد الإغاثة إلى المهجرين، حتى إلى مناطق خطرة، ما كان ينسيه منزله ومتجره المدمرين والحالة الصعبة التي يعيش فيها مع عائلته.

ويقارن زكريا وضعه قبل العدوان وبعده، فيشرح لي كيف أنه عجز قبل عن سداد 400 دولار أميركي كقسط أولي لمدرسة ابنته، واكتفى بدفع رسوم التسجيل فقط، وعدد ما ينتظره من مصاريف مثل ثمن الكتب والملابس والنقل وغيرها من الأمور، التي أكد أنه لا يملك شيئاً ليؤمنها لابنته.

ووصف زكريا وضع الناس في شهر رمضان الحالي بأنه مأساوي، بسبب الوضع المادي السيئ، مشيراً إلى الغلاء الفاحش للأسعار، منتقداً المسؤولين السياسيين المشغولين عن وجع الشعب بخلافاتهم وانقساماتهم بين فريق 14 مارس وفريق 8 مارس. وتساءل عن الخطة التي أعدتها الدولة لمساعدة الناس خلال رمضان، أو على أبواب موسم المدارس.

بيروت ـ سهيل شهاب: