كانت خجلة ولا تريد أن نراها، هي وجوه بريئة رغم أن نظراتها تسرد لك ألف اعتذار عن فقرها.. فور علمها بأننا نريد أن نصور المشهد أشاح الجميع بوجوههم إلى اللاشيء فقط أن لا تسجل الكاميرا وجها متعبة وفقيرة وقادمة من بيوتها من أجل لقمة طعام صحية.

«البيان»: جالت في عدد من الأماكن التي توزع الأطعمة والوجبات على الفقراء في عمان.. رأت وجوها تسألك عن فقرها، وإلى متى هو! تتحول على الفور من شخص جاء ليسأل الى شخص بات يتلقى الاسئلة من جميع الوجوه التعبة.. وحتى الأطفال الذين لم يكفوا عن اللعب حتى أثناء صدح المؤذن بآذان المغرب كانت تحمل وجوها لم تكف عن السؤال.

قبل موعد الإفطار بنحو ساعة يصطف الفقراء والجوعى بطابورين متباعدين للنساء والرجال.. الوقت يمر والفقراء الصائمون يخشون أن يفوتهم الإفطار فالطابور طويل.. يا أخي ما أصعب هذه الساعة.. يقول أحد الكهول الجالسين بإرهاق أمام دوره في الطابور.

في مكان ما لا يبعد سوى خمس دقائق إلى عشر دقائق ينشغل كهل في هدوء بتلاوة القرآن الكريم وآخر بإعداد السلطة والمشروبات وآخر يغط في نوم عميق بعد نهار عمل متعب في انتظار الإفطار.

إلا أن وضع كهول عمان الجوعى مختلف أنهم في هذه الساعة مضطرين إلى الانتظار وقوفاً في طابور الطعام ليحصلوا على وجبة يسدوا بها جوعهم.

ولكن لماذا يفر هؤلاء من بيوتهم رغم فقرها إلى هذا التعب الإجابة كانت جماعية.. نريد الهروب من «قلاية البندورة» والمقالي وشوربة العدس.. قالت إحدى السيدات: إذا سألتني فأنا أرضى بالقليل على هذه الإهانات ولكن أطفالي الصغار بحاجة إلى اللحمة والدجاج وشهر رمضان فرصة ليأكلوا هذه الأطعمة التي لا يجدونها في الأيام العادية.

الناس هنا صنفان الأول يحضر إلى الإفطار الجماعي من أجل أن يأكل هو وأفراد عائلته وآخرون يحضرون لكي يؤمنوا وجبات الطعام لأطفالهم الذين ينتظرونهم في البيت.

ميل الشمس نحو الغروب بدأ يزداد وبدأ معها التوتر في الطابورين النسوة يعرفن أن يقتلن الوقت جيداً بالثرثرة والانتباه إلى الأطفال فيما الرجال مشغولون بالحديث عن قلة الحال والسياسة وارتفاع الأسعار.

«البيان» زارت أكثر من منطقة لتوزيع الطعام إلا أن أكثرها تنظيما كان في تيكة أم علي وهناك يقوم قسم البحث الاجتماعي بعلم دراسة حالة للأسر المحتاجة حيث تحصل هذه الأسر على كروت تسمح لها بالارتفاع من التكية على مدار العام إضافة إلى البرامج الخاصة بشهر رمضان المبارك.

وفي الإفطارات يحصل أصحاب الكروت على حق الدخول بداية إلى صالة الطعام المحضرة خصيصاً لهذا الغرض ثم يسمح للباقي بالدخول وأما الخيمة الرمضانية الخارجية وهي مشروع موائد الرحمن فيستقبل الزوار من المحتاجين بشكل عشوائي وهذه خاصة بالرجال وحدهم، وكنوع من التدبير الاقتصادي وجدنا الحاجة أم أحمد وبرفقتها يتيمة صغيرة تقوم بتربيتها.

أم أحمد التي أخذت كرت ابنتها لأن الأخيرة معزومة على الإفطار وتقول: يبيع زوجي المسن «السحبة» على باب المدرسة ويحصل في اليوم على «دينار أو إثنين» لذلك جئت اليوم بدلاً عن أبنتي مع انه يحق لي الدخول دون كرت أيضا بقيت أنتظر من الساعة الثانية ظهراً وحتى الآن ـ أي ثلاث ساعات وقالوا لنا إن الإدخال إلى الصالة يكون الساعة السادسة.

وهناك من له رأي آخر في هذا الإفطار حيث تشير سعاد أحمد «مصرية الجنسية» إلى أنها ما تفطر في التكية. ويقول: أحب «اللمة» صحيح أنني أجلس مع أناس لا أعرفهم لكن تجمعنا ظروف متشابهة ونتبادل الهموم خاصة أنني أعيش وحدي في البيت وأشعر هنا باحترام في التعامل من قبل العاملين كذلك الحال بالنسبة لعائشة الناطور «55 سنة» التي أقعدتها الوحدة بعد زواج الأبناء بمفردها في البيت، حيث تقول: الطعام متنوع وشامل لكل الأصناف الغذائية حتى الحلويات فالحمد لله رب العالمين.

وعلى الرغم من ارتفاع نسبة كبار السن في صفوف الرجال إلا أن للشباب حضورهم فمأمون الصمادي «27 سنة» الذي يعمل في السوق يقول عن نفسه: لا يوجد لي دخل شهري والوضع المالي صعب وكنت سمعت عن توزيع وجبات هنا فقلت لم لا أستفيد من ذلك.

وعن وضع أهله يقول: إنه صعب للغاية ولا يعرف بالتحديد ماذا يفطرون الآن فيما عامر أحمد «17 سنة» والده متوفي وكان قبل أن يترك عمله في أحد المطاعم مؤخراً مسؤولاً عن مصروف البيت. ويقول: جئت لأوفر وجبتي ومنذ الظهيرة وأنا أنتظر.

كل شيء يشي للناظر أننا خارجون من مأساة إلا الأطفال فمناوشاتهم المحببة والمرهقة معا بينهم على طاولة تذكرنا في البيوت المغلقة على أهلها، البعض انشغل بتحضير الوجبة من «تقطيع الدجاج» وتوزيعه للصغار، وآخرون هموا بالأدعية ضجيج معقول نسبة إلى عدد الحضور.

يرتفع صوت إحدى الموظفات في التكية «يا جماعة اذن».. ليبدأ الجميع في تناول الطعام باستثناء موظفي التكية شباباً وفتيات الذين يكتفون بشربة ماء والتمر والرجال بإشعال السجائر وكل ذلك وقوفاً وأثناء تنقلاتهم السريعة بين الحضور.

وفي الخارج كان مازال هناك صف آخر من الرجال المنتظرين في حين نفد صف النساء وحضرت بعضهن متأخرات أما الرجال فامتلأت الصالات في الداخل والخيمة مما جعل البعض يفطر بالخارج وعلى الدرج.

بعد انتهاء الجولة وعلى بعد نحو الكيلو من التكية سمعنا تعليقات عدة كان منها لأحد أصحاب الأكشاك المنتشرة في المكان سأل صديقه: وين أفطرت»؟ في الشارع؟ فرد عليه: «لا يا زلمة في تكية أم علي..».

عمان ـ لقمان اسكندر: