رغم تعدد قضايا الاختلاف بين الإسلام والغرب إلا أنه يمكن الإشارة إلى أن هناك قضيتين أساسيتين حظيتا بالقدر الأكبر من التشويه في العقلية الغربية على مدار تاريخ هذه العلاقة وهما صورة النبي صلى الله عليه وسلم، وقضية الجهاد.

وسواء كان ذلك يفسر قضية الرسوم الدانماركية أم لا، فإن النظرة المتعمقة في التعاطي الغربي مع قضايا الإسلام والمسلمين يكشف عن الدرك الذي وصلت اليه هذه النظرة، الأمر الذي كان يغيب عنه أي نوع من العقلانية.

واذا كنا لسنا في وارد أو مجال استعراض هذه الرؤى، إلا أننا نشير إلى ذلك في إطار محاولة استيعاب الإدراكات الغربية عن الإسلام والمسلمين الأمر الذي يساعد على فهم مواقفهم وبالتالي تحديد السبيل الأنسب للتعامل مع هذه الرؤى والإدراكات.

وتحفل العديد من الكتابات الغربية بالكثير عن صورة النبي صلى الله عليه وسلم على مدى تاريخ المعرفة الغربية بالإسلام وإن كان أفضلها حسبما نرى تلك التي تقدمها الكاتبة البريطانية كارين أرمسترونج في كتابها حول النبي (ص) والذي خصصت فيه فصلا كاملا لهذا الجانب.

وحسبما تشير ارمسترونج فإن إهتمام أوروبا بالنبي كان يكاد يكون معدوما قبل عام 1100 ولكن الجميع أصبحوا يعرفونه في عام 1120 حيث بدأت تشيع في الغرب أصبحت أساطير «ماهاوند» عدو الممالك المسيحية وقرينها راسخة في مخيلة أبناء الغرب.

وتشير في ذلك إلى ماذكره الباحث ر.و. ساذرون في دراسة بعنوان صور الإسلام في الغرب إبان العصور الوسطى قائلا: لاشك أنهم عندما وضعوا الأساطير والأوهام كانوا يرون أنها تمثل الصورة الحقيقية إلى حد ما للواقع الذي تصفه ولكنها اتخذت بعد كتابتها طابعا أدبيا وهبها حياتها الخاصة.

وقد استمرت الصورة الخيالية للنبي الذي حرف اسمه إلى «ماهاوند» قائمة في على المستوى الشعبي رغم أن بعض الباحثين الغربيين المتعمقين حاولوا وضع تصور موضوعي للنبي والدين الذي أتى به.

وفي ذلك يذكر لنا إدوارد سعيد أن الغربيين كانوا يعتقدون في معظم فترات العصور الوسطى وفي إبان مطلع عصر النهضة أن الإسلام دين شيطاني ويتضمن الردة والتجديف والغموض. وأما بالنسبة للنبي فإنه حسب وصفه لم يكن يعني الغربيين أن المسلمين يعتبرون محمدا نبيا لا إلها وأما الذي كان يعني المسيحيين فهو أن يصفوا النبي بأنه كاذب رجل يبذر بذور الشقاق ويحب الملذات الحسية.

هذه الصورة عن النبي بشكل خاص والإسلام بشكل عام تواصلت على مدى العصور وعكست نفسها، بالتفاعل مع عوامل آخرى، في صراعات بين العالمين الإسلامي والغربي ولذا قد لا يبدو من الغريب استمراريتها في المخيلة الغربية حتى الأن، وهو الأمر الذي يمكن أن نلمسه بعيدا عن أزمة الرسوم يتكرر بين الفينة والأخرى.

ومن ذلك مثلا ما نشرته مجلة أمريكية في عقد الستينات من القرن الماضي وفي إطار عدد خاص عن الإسلام من صورة زعمت أنها للنبي ورغم أنها أثارت بعض الإحتجاجات آنذاك إلا أن القضية سرعان ما تلاشت وتورات عن الأنظار.

ما ينبغي التأكيد عليه أن المسلمين لا يجب عليهم التهاون في أي إساءة للرسول، إلا أن رد الفعل يجب أن يأتي في سياق فهم الإطار والمناخ الذي يتم فيه مثل هذا الأمر، فذلك أجدى وأنفع في أي الأحوال.

وقد صادف النبي نفسه في حياته محاولات للإساءة اليه والنيل منه، بل إن بعض محاولات الإساءة اليه أصبحت آيات يضمها القرآن ويتعبد بها المسلم في صلواته رغم انها تصور الحملة الشرسة التي قادها خصوم الإسلام على الرسول لإثنائه عن إتمام رسالته، ومن هنا فقد يكون من الأمور الأكثر إثمارا إظهار الصورة الحقيقية للنبي لمن يجهل ذلك، بغض النظر عن أسباب ذلك الجهل وأبعاده.

مصطفى عبد الرازق