القارئ الشيخ محمد أحمد شبيب هو أول قارئ مصري يتلو القرآن الكريم بالمسجد الأقصى، وقد شارك الأشقاء الفلسطينيين فرحتهم واحتفاءهم بأول رمضان بعد إقامة دولتهم، وكرمه الرئيس ياسر عرفات بمنحه شهادة تقدير ونيشان السلطة الفلسطينية تقديراً لدوره، ولعل أهم ما يميز الشيخ شبيب أنه يستطيع الانتقال ـ أثناء التلاوة ـ من مقام إلى آخر دون خلل بالإحكام بأداء ملائكي ينفذ إلى قلب القرآن ومن ثم إلى قلوب الناس.
في محافظة الدقهلية شمال مصر ولد القارئ الشيخ محمد أحمد شبيب، حيث الكتاتيب المتعددة بالقرية التي يهتم أهلها بالقرآن حفظاً وتجويداً، وتعد عائلة شبيب من العائلات الكبرى التي شهدت احتفالات ومناسبات دينية عديدة أحياها مشاهير القراء أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبدالفتاح الشعشاعي والشيخ عبدالعظيم زاهر وكان الحاج أحمد والد الشيخ محمد أكثر المهتمين بسماع هذه الكوكبة من مشاهير القراء وتمنى أن يكون له ولد محب للقرآن ليهبه حفظه وتجويده .
وفي عام 1934 مع بدء الإرسال الإذاعي رزق الحاج أحمد بابن سماه «محمد» وجاء هذا الوليد مع انطلاق صوت الشيخ محمد رفعت عبر موجات الراديو فازداد شوق الحاج أحمد شبيب للقرآن وأهله ..
وفي كتّاب القرية تعلم الطفل القرآن الكريم وخصص له معلمه بضعاً من الوقت كل يوم ليسمعه ما تيسر من القرآن على طريقة المشاهير من القراء وبعد أن أتم القرآن حفظاً لم يغادر الكتاب وبقي ليراجع القرآن مع الشيخ محمد إسماعيل أحد المتخصصين في تلاوة القرآن .
وكان الشيخ سبباً في تمكين تلميذه من تلاوة القرآن في المناسبات المختلفة في قريته وقبل أن يبلغ الخامسة عشرة فلقبه أهل القرية بالشيخ وتدفقت عليه عبارات الثناء والدعوات فاقترب من الناس.
واكتسب ثقة بنفسه مكنته من التفوق والإجادة ومجالسة الكبار، ثم التحق بأحد المعاهد الأزهرية القريبة من قريته وأحضر له والده زياً يتناسب مع هيئته كقارئ صغير مما أضفي عليه نوعاً من الهيبة والوقار، بالإضافة لحسن التلاوة والتجويد مما جعل الناس يتعلقون به تعلقاً شديداً ويوجهون إليه الدعوات بمفرده لإحياء المناسبات ..
وعلى الرغم من المكانة التي توصل إليها الشيخ الصغير كانت بداخله رغبة صادقة في أن يحقق شهرة ومكانة كوكبة القراء المجيدين أصحاب الدرجة الرفيعة داخل قلوب الناس أمثال الشيخ سعيد عبدالصمد الزناتي والشيخ حمدي الزامل وغيرهما من أصحاب المدارس القرآنية التي أثرت في قلوب مستمعيهم الشغوفين بالاستماع إليهم ..
فبذل مزيداً من الجهد والمثابرة حتى ذاع صيت الشيخ شبيب وعرف في جميع مدن وقري الوجه البحري وانهالت عليه الدعوات لإحياء المآتم الكبرى بعد ثورة يوليو 1952، ولأنه كان صاحب طريقة محببه إلى قلوب الناس استطاع أن يصنع لنفسه شهرة عظيمة بين عمالقة القراء من الرعيل الأول بالإذاعة فقرأ معهم كزميل في سهرات واحدة . يقول الشيخ شبيب :
«في أحد الاحتفالات الدينية التي كان يحضرها الشيخ مصطفى إسماعيل ذهبت للاستماع لهذا الشيخ الجليل وبعد انتهائه من التلاوة أنفض الناس ولم يتبق في السرادق إلا عدد قليل وصعدت لأقرأ ما تيسر من القرآن وإذا بالسرادق يمتلئ مع مرور الوقت حتى وصل عدد الحاضرين إلى نفس العدد الذي يستمع إلى الشيخ مصطفى وكانت هذه الليلة بمثابة ميلاد حقيقي لشهرتي» .
واعتمد الشيخ شبيب كقارئ في الإذاعة المصرية عام 1964 ليقرأ القرآن مع كوكبة من القراء أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل والبنا وعبدالباسط وشعيشع والبهتيمي والمنشاوي، فحقق شهرة كبيرة بين المستمعين للإذاعة، وساعد على شهرته السريعة أن اسمه من أسماء الشهرة التي تعلق سريعاً بذاكرة المستمع من أول مرة، بالإضافة إلى طريقة فريدة مميزة تجعله صاحب مدرسة خاصة به عبر أدائه الفريد الذي تهفو إليه قلوب وعشاق صوته وقراءته.
وقال عنه كبار القراء في ذلك الوقت، أن أهم ما يميز هذا القارئ الموهوب أنه ينتقل ببراعة من مقام إلى آخر دون خلل بالأحكام بأداء ملائكي قوامه صوت عذب شجي، تجعل السامع ينفذ إلى قلب القرآن فينقل مع تلاوته المواقف القرآنية مصورة مفسرة لآيات القرآن، وأطلق عليه بعض المهتمين بتحليل الأصوات التالية للقرآن أنه صاحب طريقة رفيعة يستطيع أن يؤدي الجملة عشر مرات في كل مرة يأتي بنغم جديد ليس مقصوداً ولا معداً وإنما هو نغم وليد اللحظة التي يؤدي فيها .
سفير القرآن
وكان للشيخ محمد شبيب العديد من الزيارات لكثير من دول العالم منها السفر إلى قطر عام 1982 بدعوة خاصة ثم إلى «أبوظبي» عام 1986 وسافر إلى الجابون عام 1987 بدعوة من دولة قطر وفي عام 1994 وصلته دعوة من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لإحياء ليالي شهر رمضان بالمسجد الأقصى بالقدس فلم يتردد في قبولها ليشارك الأشقاء الفلسطينيين فرحتهم واحتفاءهم بأول رمضان بعد إقامة دولتهم .. وعند وصوله وجد حفاوة واهتماماً وتكريماً بأن وجه إليه الرئيس عرفات الدعوة للإفطار معه بمقر الرئاسة ..
وكانت سعادته لا توصف عندما تلا القرآن يوم الجمعة بين ما يقرب من نصف مليون فلسطيني يتقدمهم الرئيس عرفات وظل يكرر قوله تعالي : «إن ينصركم الله فلا غالب لكم» أكثر من عشرين مرة بناء على رغبتهم وبعد انتهاء الرحلة كرمه الرئيس عرفات بمنحه شهادة تقدير ونيشان السلطة الفلسطينية تقديراً لدوره كأول قارئ مصري يتلو القرآن بالمسجد الأقصى بعد العودة إلى فلسطين .
وكالة الصحافة العربية
