يقول الفنان أورفلي أنه كثيراً ما يتم تداول عبارة (التراث والمعاصرة) وكل فنان فهم منها شيئاً، هو استلهم الرقش العربي، والكلمة المكتوبة، والرقش ليس بالضرورة أن يكون مركزياً ومتناظر التشكيلات، ولكن متوازناً، والخط وفق الأسس القاعدية المتوارثة، مع حرية التصرف. وأخيراً اللون دائماً مدروس بعناية، وفق معطيات التكوين.

هذه المزاوجة بين الزخرفة والكلمة واللون، في كل لوحة، معادلة إبداعية جديدة، تدعو المشاهد للتأمل والحوار. لقد جمع الفنان معد أورفلي في لوحاته، بين مقومات ثلاثة هي: الزخرفة، والكلمة، واللون، في عمل فني معاصر، يمكن إدراجه ضمن تيار (الحروفية الزخرفيّة). غير أن اعتماد الفنان على تقنية الألوان المائية الشفيفة، وإدخال حس التصوير إلى هذا العمل، جعلاه يلامس حالة إبداعيّة غنية التعبير، شفيفة المعاني، صوفية التوجه.يرتكز الفنان أورفلي في تجربته الفنية على خبرة طويلة، عمرها أكثر من نصف قرن، كان خلالها موزعاً بين اختصاصه الأكاديمي (هندسة الديكور) وبين إنتاج لوحة حروفيّة زخرفية، كان يرفد بها المعارض الدورية السورية، غير أن خلاصة هذه التجربة، فقد قدمها ضمن معرض فردي أقامه في دمشق قبل مدة.

وكافة أعماله نفذها بالألوان المائية الشفيفة، وهذه التقنية قلما يستعملها الحروفيون في إنجاز أعمالهم، لأنها لا تعطي مساحة مصمطة أو صريحة كما تفعل الألوان الزيتية، أو الغواش، أو الأحبار.

واعتماد الفنان معد أورفلي على لون واحد أو لونين ومشتقاتهما، منح لوحته حالة عالية من الانسجام والهدوء والراحة، وجعل كل عنصر من عناصرها، كالخطوط، والكتابات، والزخارف الهندسية والنباتية، تتآلف رغم ما فيها من حركيّة وتنوع في الإيقاع الشكلي.

لقد قام الفنان أورفلي بسحب ألوان الخطوط والكتابات من ألوان الخلفية، وكذلك فعل مع باقي عناصر اللوحة، حيث شكّلت الخلفية رجعاً متوافقاً لألوان الزخارف الهندسيّة والنباتيّة. درجة اللون وقوتها، تغيب وتحضر في العناصر والخلفية، وفق توزيع مدروس، ظل مسيطراً على الدرجات اللونية الحارة والباردة، وقادها في معارج اللوحة كما يفعل (المايسترو) الماهر في قيادته للعازفين في فرقته، على اختلاف آلاتهم الموسيقيّة.

هذه المقومات مجتمعة، وضعتنا، أما لوحة حروفيّة زخرفية من نوع جديد، لوحة حملت كافة خصائص التصوير المائي الشفيف، والذي يعتبر من أصعب تقانات التصوير، وأكثرها حساسيّة وسرعة في العطب، فاللمسة في هكذا تقنية لا تُعاد ولا تُصحح، بل يجب أن تأخذ مكانها ودرجتها الصحيحين في جسد اللوحة، ما يتطلب من الفنان مهارة عالية، وخبرة واسعة في التعامل معها.

وهذا ما حققه الفنان (معد أورفلي) في لوحته التي شكلت دعوة مغرية لعين المتلقي وإحساسه، للإبحار فيها، والتمتع بمفرداتها، والغوص بعيداً في رحاب جماليات فن عربي إسلامي أصيل، طالما كانت المجال والميدان الذي قدم فيه ومن خلاله، الفنان العربي والمسلم، إبداعاته وابتكاراته وتوحده بقيم آمن بها، وحاول جاهداً تجسيدها في فنونه التي ارتبطت بحياته اليوميّة: بالعمارة، والحرف، والصناعات، والفنون التطبيقيّة، وفنون الكتاب.

لوحة الفنان معد أورفلي محاولة لاستعادة هذا التراث الغني المتشعب الأهداف والغايات والاستخدامات، إنما برؤية معاصرة، وخصوصيّة فنان أبرز ما يميزه، صدقه مع نفسه ومع أدوات تعبيره.

د. محمود شاهين