الإسلام رسالة المحبة والسلام، جاء إلى البشرية للهداية والحق، لم يكن مجرد دين فقط، ولكنه استطاع بناء حضارة ذات أسس ثابتة أركانها الكتاب والسنة والشريعة، حتى أصبحت أعظم الحضارات في تاريخ الإنسانية، تلك الحضارة الإسلامية التي بدأت ملامحها في التغيير، وأول بوادر هذا التغيير هو حال المسلمين والفجوة التي ظهرت في تلك الحقبة بين الإسلام والمسلمين، وبين ما ينادي به الإسلام وكتاب الله وأصوله وبين الواقع الفعلي للمسلمين، هذه الفجوة شعر بها الجميع منذ سنوات عديدة، وهو ما دعا الشيخ محمد عبده بعد زيارته لأوروبا أن يقول عبارته الشهيرة:

«وجدت هناك مسلمين بلا إسلام وهنا إسلام بلا مسلمين» وهذا هو السؤال الذي يطرح نفسه الآن على ساحة الفكر والشرائع: هل أصبح العالم الإسلامي إسلاماً بلا مسلمين؟ يقول د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف: الإسلام دين جاء لينقذ البشرية ويطبق فيها الشعائر والشرائع، العبادات والمعاملات، وقد وقعت بعض المجتمعات الإسلامية في خطأ شديد عندما عزلت الدين عن الدنيا، فأصابها التخبط والتشتت والإفلاس، لأنها لم تستشهد بشرع الله في المعاملات.

وهذا ما أراده العلمانيون ودعاتهم عندما رددوا شعارات كافرة في محاولة يائسة منهم لأن تعلن الأمة الإسلامية إفلاسها، والدور الأكبر يقع على المسلمين في تصحيح صورة دينهم الحنيف، وإن يثبتوا على أرض الواقع تمسكهم بشرائع الإسلام وقواعده.

وأنهم مسلمون مؤمنون بدينهم ومنفذون لأحكامه، ومؤدون أركانه إيماناً واقتناعاً، وليس من قبيل إثبات الذات وأداء الغرض، ولعل ما يتعرض له الدين الإسلامي من هجمة شرسة من أعداءه خير دليل على تفكك الأمة الإسلامية، وبالتالي لابد من التوحد على كلمة الإسلام، وتصحيح صورة الإسلام والمسلمين في عيون الآخرين.

ويضيف د. محمد عبدالحليم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي: لقد وصلنا إلى درجة من الإفلاس الديني، والمفلس كما رأى الصحابة هو الذي لا يملك درهما أو دينارا ورد عليهم رسول الله « وقال:

«المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد سب هذا وشتم هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» والمعنى هناك شامل وغير قاصر على العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج، لقد انتقل من الأفراد إلى المجتمعات التي تأتي بما يناقض ما تؤمن به وتدين، فلا تستفيد مما في أيديها من منهج وشريعة فيها سعادة البشرية لو جعلوه واقعا في حياتهم..

ومن الأقوال المأثورة عن الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: «لقد ترك الناس الجوهر وتمسكوا بالظاهر»، والكارثة أنهم يتسترون على هذا الإفلاس بل ويتمادون في الاعتماد على المظاهر دون فحص الجوهر، وصار ظاهر العبادات هي الأساس فخرجوا عن أصول الشرائع، وما ينادي به الدين.

وقد انعكس ذلك في قلب موازين المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وضاعت وسط دوامات التردي، وهنا لابد من صحوة إسلامية تنفض عن كاهلنا غبار التخلف الذي أوقعنا أنفسنا فيه وأهدرنا بسببه كرامة حضارتنا.

ويضيف د. عبدالحليم إن هناك العديد من القوى المناهضة للإسلام والمسلمين منذ الحملات الصليبية الأولى حتى الآن، وهدف هذه القوى عزل الناس عن الدين ثم عزل الدين عن الحياة حتى يطبق عليهم قول الله: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين}.

مؤكداً أن أحد أسباب تراجع حضارتنا تمسكها بالشكليات والمظاهر، وتركها لجوهر العبادة، وطالب بضرورة العودة إلى القرآن والسنة في الشعائر والشريعة حتى تعود لنا أمتنا وحضارتنا، وأن نرتقي بشأن الإسلام، ونحقق له القبول والتواجد في كل المحافل، حتى نحقق ريادته في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة.

متطلبات التطور

ويقول د. إسماعيل الدفتار أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: إن من الناس أمة حافظت على الصلاة وزعمت لنفسها الورع وأنهم هم الوحيدون المحافظون على الصلاة والصائمون رمضان والحاجّون إلى بيت الله الحرام، وأنهم أهل المحبة والتسامح ثم يقفون عند هذا الحد ويقولون كفى بحجة أن الدين لا ينبغي له أن يخرج من باب المسجد..

ويقولون في تبجح غريب: ما علاقة الدين بأحوال الناس؟ وما شأن الدين بأمور الحياة ؟! ثم يضيفون: يجب أن تقنن القوانين حسب الظروف ومقتضيات الأحوال ومتطلبات التطور، كما أنهم يدعون كذباً فشل الحياة إذا تحاكمنا للدين، ولكننا نرد عليهم ونقول وأن الدين موجود داخل كل نفس بشرية ومهما حدث لن يستطيع المؤمن التجني على دينه، والتخلي عنه، لأنه في النهاية مسلم.

ويؤكد د. أحمد عبد الكريم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر على أن الإسلام جمع بين العمل والعلم وكرمهما، حيث لا عمل بلا علم ولا قيمة للعلم بلا عمل، وربط الإسلام بين العلم والإيمان لأن الإيمان الصادر عن تقليد يعتبره الإسلام أضعف الإيمان، وهنا يجب على المسلمين أن يثبتوا للعالم أجمع أنهم قادرون على عمارة الأرض، وأنهم مسلمون عقيدة وإيماناً.

ولن يتحقق ذلك إلا من خلال اتباع منهج معتدل ومتوازن يجمع بين القديم والحديث، متبعا النصوص، الشرعية، ومراعيا مقاصد وأهداف الشرع، ويجمع بين محكماته ومقتضيات العصر، لأن هذا هو الاتجاه الصحيح الذي تحتاج إليه الأمة، حتى تعود إلى وضعها الطبيعي.

ويكفي ما يتعرض له الدين الإسلامي والمسلمون من هجمة غربية وحشية، والسبب فينا كمسلمين، لأننا إن لم نستيقظ فسنصبح بالفعل إسلاماً بلا مسلمين، وإلا ما الفرق بيننا وبين أي شخص أخر.

ويقرأ د. زغلول النجار الآية الكريمة: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً».

ويقول هذه الآية القرآنية، جاءت في أوائل سورة الإسراء، تلك السورة التي يدور محورها الرئيسي حول العقيدة الإسلامية، وهذا ما نريد أن نؤكد عليه، وليعلم الجميع أن الله قد أعد للذين لا يؤمنون بالآخرة عذاباً أليماً، والإنسان بطبعه به شيء من الاندفاع والعجلة، على الرغم من أن الله قد فصل له كل شيء في محكم آياته.

وهنا يحذر د. زغلول من الإقبال على الدنيا ونسيان الآخرة ويحذر من الترف المخل الذي يؤدي إلى الفسوق، وهو ما نادت به الآية الكريمة ويؤكد أن علماء المسلمين وأعلامه عليهم تصحيح الصورة، وعلى الأسرة غرس روح الإسلام في قلوب الصغار، حتى ترتجف قلوبهم ويصبح دينهم هو أساسهم وسلاحهم وأن يصبح الإسلام قوياً بالمسلمين، وشبابه وعتاده.

القاهرة ـ من وكالة الصحافة العربية: