يشهد العالم اتجاهاً قوياً نحو العولمة بكل أشكالها، وهناك تخوف في صدور الشعوب على تراثها وثقافتها من الاختفاء في ظل غزو فكري جارف، وبات استخدام القوة ولغة المصالح هي المفردات الوحيدة التي تتفاهم بها الدول.. فتم انتهاك حرمة المنظمات الدولية وتحولت قرارات هيئة الأمم المتحدة إلى رداء جميل يضعه العالم على جسده في المناسبات السعيدة.

والمجتمع العربي والإسلامي جزء كبير وهام في هذا العالم يرتبط بالآخر بفلسفة ثابتة من خلال إطار فكري وثقافي.. حول هذه الأبعاد التقينا المفكر الإسلامي وأستاذ القانون وعضو منظمة حقوق الإنسان د. محمد سليم العوا، الذي أوضح أن الإسلام هو دين العولمة.. كما أن التجديد في الفقه ضرورة لاستمرار الحياة مادام لا يتعارض مع ثوابت الدين.. التفاصيل في السطور القادمة.* في رأيك هل تقوم العلاقات بين الثقافات الدولية على الحرب أم السلام وهل الاحترام يكون للمبادئ أم المصالح؟

ـ واقع العلاقات بين ثقافات الدول يختلف تماماً عما هو مفروض أن تكون عليه.. فما يجب أن تقوم عليه هو العلاقات السليمة القائمة على الحوار والتعايش الإنساني المبني على العقل والحجة واحترام حقوق الآخرين..

لكن الحادث الفعلي مغاير تماماً إذ تحولت القوة إلى وسيلة الحوار الوحيدة وأصبح المجتمع الغربي الذي يمتلك القوى المادية صاحب الكلمة الوحيدة في كافة النزاعات وبنى توجهاته حسب ما تمليه عليه مصالحه الخاصة دون اعتبار لأي أشكال حقوق الإنسان والقانون الدولي. فهناك أمواج في شتى أنحاء بحر الحياة تتصادم في إطار القوة ويتم مواجهتها أو إغفالها حسبما تتجه المصالح.

أما من حيث تقابل المصالح مع المبادئ فالشواهد تؤكد أن القوى الغاشمة استطاعت أن تنتهك حرمات المؤسسات الدولية والقضاء على أهدافها من أجل تحقيق المصالح، فهيئة الأمم المتحدة التي تهدف لتنظيم حياة سلمية بين الدول في إطار من الشرعية واحترام حقوق الآخرين تحولت أمام قوة كأميركا إلى كيان هامشي تسير قراراته في الاتجاه المؤيد لمصالح هذه الدولة الكبرى.

طغيان المادية الحديثة

* لمن تكون الغلبة إذا تعارضت المبادئ مع المصالح وفي ظل العولمة الكبرى هل يمكن إيجاد صيغة لضبط المسألة أم أن ذلك ينافي السنة والفطرة؟

ـ الطغيان الرهيب للمصالح والحضارة المادية الحديثة أوجد اتجاهاً عالمياً نحو السعي المسعور من أجل تحقيق المصالح الخاصة فالواقع لكافة أشكال الصراع على الكرة الأرضية يؤكد هذه الحقيقة المرة..

فما يعاني منه شعب العراق وشعب فلسطين في منطقة الشرق الأوسط، وما يلاقيه شعب أفغانستان في آسيا، بالإضافة إلى الصراع الدائر ضد مسلمي أوروبا في كوسوفا يتعارض مع أدنى المبادئ واحترام حقوق الإنسان ومصير الشعوب.. ولكن المصالح الخاصة جعلت المؤسسات الدولية والأنظمة الرسمية تغمض عينيها برغبتها أو رغم أنفها عن كل الحقوق والمبادئ وتبارك وتؤيد لغة المصالح دون تردد..

والصراع هو سنة الحياة التي تنظم علاقة الجماعات المختلفة وإن كان الدافع والهدف لهذا الصراع موجود.. ويمكنه في ظل رغبة حقيقية من دول العالم إلى التوصل إلى شكل ينظم علاقات الدول والمجتمعات في ظل العولمة وإن كان تحقق ذلك بصورة حقيقية على أرض الواقع غير متوقع في ظل سيطرة لغة المصالح على علاقات وسياسات المجتمع الدولي.

* ما النصوص الإسلامية التي تحكم نظرتنا للآخر وتحدد العلاقات الدولية وما المفاهيم المترتبة على ذلك والأحكام الفقهية التي بنيت على هذه النصوص؟

ـ يشتمل القرآن الكريم والحديث النبوي على العديد من النصوص التي تحكم وتنظم علاقتنا بالآخر ونظرتنا إليه ومنها قول الله تعالى «إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».. كما يقول في أية أخرى «وتعاونوا على البر والتقوى»..

ومن خلال الفلسفة التي تدعو إليها الآيات يتأكد لنا أن الشريعة الإسلامية هي أساس العولمة وأن النظام الإسلامي هو الصالح لكل شعوب العالم، إذ يدعو كل الشعوب لإقامة علاقاتها على أساس التعارف والتقارب باعتبار الإنسانية وحدة متكاملة دون تمييز.. وهذا يدفعني للاستغراب من تخوف العالم الإسلامي من العولمة التي يقبل عليها العالم..

فنحن نجد كل يوم أناساً من كل أنحاء الدنيا يدخلون في الإسلام في كل يوم ويعتنقون شريعته السمحة.. كما أن المثال الثاني من القرآن يحمل دعوة للتعاون بين الناس في الخير والبناء وينبذ الشر والاعتداء بكل أشكاله.

مفاهيم ثابتة

* هل المفاهيم المستنبطة في حكم الثابت أم أنها متغيرة حسب الظروف وما الشاهد من التاريخ الإسلامي؟

ـ المفاهيم المستنبطة من المثالين السابقين تعد من الثوابت.. فالدعوة إلى التعارف والتعاون لا تتغير لأنها يجب أن تكون الأساس في علاقات البشر.. وهي محكومة بقيمة سامية تجعل الأفضلية لأكثر الناس احتراماً للفضيلة والتقوى.. كما أن التعاون على الخير من الثوابت أيضاً..

لكن من حيث المفاهيم الفقهية بصورة عامة فهي في حاجة دائمة لتطوير وتغيير حسب متطلبات العصر.. فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يوضح أنه سيأتي من الأمة كل مئة عام من يجدد لها دينها.. والإمام الشافعي قد جدد من فقهه عندما انتقل من العراق إلى مصر.. لكن هذا التجديد لابد آلا يمس الثوابت أو يتعارض معها، فهناك فارق بين الاجتهاد والتجديد وبين هدم الثوابت الفقهية..

وأحداث التاريخ الإسلامي مليئة بالشواهد على تلك القيم النبيلة.. فالقائد الإسلامي «صلاح الدين الأيوبي» حين غامر بحياته من أجل إنقاذ حياة القائد الصليبي قلب الأسد ضرب مثالاً للذين يدعون نيل الحضارة الغربية أن المسلمين وحضارتهم تقوم على أسس من المبادئ السامية.. كما أن الفاروق «عمر بن الخطاب» حين رد الحق للسيدة القبطية من «عمرو بن العاص» بعد فتحه لمصر مثال آخر.

* التراث الفقهي يحوي «دار كفر ودار إيمان ودار حرب».. هل يمكن إسقاطها في العصر الحديث وهل تناولها الفقهاء الحاليون بالدراسة؟

ـ المفاهيم الفقهية التي توضح أن هناك ثلاثة فرق في العالم إحداهما ظلت على غير الإسلام وقبلت دفع الجزية وثانية دخلت الإسلام واعتنقت مبادئه وأمنت بالإضافة للأخيرة التي رفضت الدخول في الإسلام أو دفع الجزية فوجب حربها..

هذه المفاهيم في ظل هذه الظروف المعاصرة لم تعد ذات أهمية في الوقت الراهن لأن الإسلام دخل كل بلاد العالم وتشابكت مصالح المسلمين وتداخلت مع غيرهم وإن كنا لا نستطيع أن نلغيها بالمرة.

وقد تناولها العديد من الفقهاء المعاصرين بالدراسة وانتهوا لنفس الوجهة.

* هل نحن بحاجة الآن لتجديد المصطلحات الفقهية المتوارثة ومن المسؤول عن مهمة التجديد؟

ـ فكرة التجديد في الإسلام فكرة أصيلة وأساسها قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها» .

ولقد تحدث العلماء منذ قديم الزمان في شرح معنى هذا الحديث النبوي الصحيح وقالوا إن معنى التجديد هو إحياء ما اندثر من معاني الدنيا، أي أحياء ما أصبح قديما..

والتجديد أن تجدد عهد الناس بما نسوا من الأحكام الإسلامية وردهم إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه. ونحن نحتاج إلى التجديد في كل مجالات الحياة وليس الفقه فقط، وذلك حتى يكون الفقه الشرعي الإسلامي قادراً على توحيد حياة المسلمين ومواكبته لما يقع فيها. وحرف «من» الذي يكشف صاحب مهمة هذا التجديد يمكن أن يكون فرداً أو مجموعة من البشر.. فقد يكون لمفكر أو عالم فقه أو مجموعة من علماء المجامع الفقهية.

القاهرة ـ حسام الدين محمود: