لا حدود للمناقشات والمساجلات والاختلافات أيضاً التي احتدمت، على امتداد السنوات الماضية، حول القضايا التي واكبت الجهود المبذولة لاستكمال ملامح الصورة الإسلامية الجديدة في المساجد، التي تستلهم نموذجاً تاريخياً يضرب جذوره في تقاليد الذاكرة البصرية للجماعات الإسلامية.
يمكن القول، بأوسع المعاني، إن هذه الجهود في مجملها قدمت لنا على امتداد العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين، وصولاً إلى اليوم، العديد من الصياغات المعمارية التي أنشئت وانتشرت على امتداد العالم كله مساجد عديدة وفقاً لها.هذه الصياغات تمتد، في المقام الأول عبر النمط المملوكي، وبصفة خاصة الذي يستلهم العمارة المملوكية المتأخرة، وهناك أيضاً النمط العثماني، الذي ذاع منه ما يرجع إلى عهود العمارة العثمانية الزاهرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وهناك النمط الأندلسي المغربي، الذي لا تخطئه العين، ويتمتع بقدر مدهش من الفرادة والتميز، ثم هناك النمط الهندي ـ الفارسي، الذي يميل إلى إحالة العمارة إلى التقاليد النحتية الهندية القديمة، وإلى التركيز على الأهمية الفائقة للعقود والقباب.
غير أن أساتذة العمارة يبادرون إلى لفت نظرنا، عند تأمل هذه الأنماط المعمارية في تجلياتها الحديثة، إلى أن صلة هذه النماذج بالماضي ليست صلة حقيقية بالقدر الذي يبدو لنا ونحن نتأمل تجلياتها في الآفاق.
بل إن من هؤلاء الأساتذة من يذهب، على نحو ما يفعل حسن الدين خان، مؤسس دورية «معمار» المتخصصة والأستاذ المساعد الزائر في معهد ماشوستس للتقنية، إلى القول إن الصلة التي تربط هذه النماذج المعمارية بالماضي الإسلامي المعماري العريق ليست صلة حقيقية، وإنما هي أسطورة اصطنعت عمداً وقصداً، وإنها سمحت في نهاية المطاف بتحقيق تعبير معماري جديد، هو الذي يطلق عليه تعبير العمارة عموم الإسلامية.
وتعبير العمارة عموم الإسلامية، الذي يعد من التعبيرات المنتشرة في الدوائر المعمارية، يستمد إلهامه من العديد من المصادر، وغالباً ما يقوم بتجريد المعاني الأصلية من وحدات وعناصر بعينها من الديكور والشكل، وفي بعض الأحيان يسند تفسيرات حديثة الصياغة، كما نرى على سبيل المثال في نموذجين شهيرين هما المركز الإسلامي في روما ومسجد الغدير في طهران.
في نهاية المطاف يمكننا القول إن تعبير إسلامي قد اكتسب معنى جديداً لدى تطبيقه في السياق المعماري على التجليات البصرية المعاصرة، فهو يحيل إلى كتلة مستمدة من العديد من المصادر والعناصر التي أعيدت صياغتها للاستخدام الراهن.
هذا النوع من التصميم الشامل يستخدم على نطاق واسع من قبل رعاة المساجد ومعمارييها ومستخدميها على السواء. وقد بلغ من اتساع نطاقه أن غيره أصبح بمثابة الاستثناء النادر.
ومن الاستثناءات النادرة، بهذا المعنى، جامع حمودة بن علي في مدينة العين، وهو مسجد حديث الإنشاء، تم افتتاحه هذا العام. ولكن لماذا يهمنا هذا المسجد؟ لماذا تبدو لنا ندرته شيئاً بهياً وجديراً بالالتفات إليه والتوقف عنده.
ربما لأن استلهام العمارة المغربية ـ الأندلسية يرتفع هنا إلى ذروة فائقة، وبمعنى ما من المعاني فإنه يذكرنا بمسجد لالا سكينة في الرباط بالمغرب الشقيق.
تأمل الكتلة القوية لبيت الصلاة في هذا المسجد، وانظر ذلك الترابط الوثيق بين هذه الكتلة وبين الصحن الفسيح، وتوقف عند استحضار الظل عبر الجنبات البديعة.
مئذنة الجامع المربعة الراسخة تهيمن على الموقع بكامله كأنها حارس مهيب، وتابع انتقال المئذنة من برج قوي إلى قمة مستدقة عبر مسافة جد قصيرة من الطول الكلي لهذا البرج القوي.
ومن حقك أن تتوقف طويلاً عند مجمل المشروع الزخرفي لهذا المسجد بما فيه من عناصر الزليج والجص والمقرنصات والزجاج المعشق، من دون أن تنسى التوظيف البارع لعناصر الديكور الداخلي والثريات الهائلة.

