قلنا إن القرآن سبق المعري في توصيفه لحقيقة الحياة، وإشارته الموسعة لمكابدة الإنسان وهو يضرب في الأرض ويسير في جنباتها لاهثاً متعباً، فهو مطالب أن يثبت وجوده، بقواه الضعيفة، في مواجهة الظاهرات الطبيعية، مثل الأعاصير المدمرة، والفيضانات الكاسحة والرعد المخيف، ومواجهة الحيوانات المتوحشة وغير المتوحشة، ليس هذا فحسب.

بل هو مطالب لكي يحافظ على استمرارية حياته، أن يعمل ويزرع وينتج، لكي يوفر لنفسه ولغيره لقمة العيش، وحياة متواضعة، ومستوى معيشياً يليق بإنسانيته. وفي سعيه الحثيث لإشباع دوافعه الفطرية، الجوع والعطش والجنس والأمومة، يكابد المشاق، ويلاقي المصاعب ويتحمل المخاطر، والبعاد والغربة، والبعد عن الأهل والولد. وإذا صبر على هذه الآلام، فصبره عناء، وسعيه شقاء، وجهده أحياناً هباء.

يقول أبو العتاهية (211ه): نحن في دار بلاء وأذى وشقاء وعناء وعنت. وهذا الملحظ الذي ذكره القرآن وأشار إليه المعري تنبه إليه نفر من الأدباء والشعراء. تقول مي زيادة (1941) وهي تتحدث عن حيرة الإنسان وشقائه أمام ألغاز الكون:

«من يأخذ بيد الإنسان في هذا الكون الملغز المبهم.. في هذه المتاهات المتشابكة، من ينير له الدرب، ويهتك له الستر، وهو ينادي بأعلى صوت: أين الحكيم يكشف لنا هذه الستائر؟ ويزيح الستار عما في الحياة من الغوامض».

إن حب الإنسان الدافق لهذه الحياة هو الذي دفعه كي يستجلي أسرارها، ومع هذا لم يغب عنه شقاؤها وكان متفهماً لأبعاد مآسيها وأحزانها، هذا هو علي بن أبي طالب يقول في وصف الدنيا:

«ما آسف من دار أولها عناء وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من صح فيها سقم ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن». ويقول الخوارزمي (383ه): أف لهذه الدنيا ما أكدر صافيها، وأخيب راجيها وأغدر أيامها ولياليها، وأنغص لذاتها وملاهيها، تفرق بين الأحبة بالفوات، وبين الأحياء والأموات بالوفاة.

إن الوتر الذي لمسه المعري وعزف عليه سبقه إليه الكثيرون من العلماء ـ كما رأينا ـ ولا أحد يستطيع أن ينكر مشقة الحياة وآلامها، أو يهون من مآسيها ولكننا يجب أيضاً ألا نهرب من حقيقتها، أو نتنصل من المهمة الملقاة على عاتقنا، فالله سبحانه خلقها على هذا النحو، فهي دار ابتلاء واختبار، دار افتراق وبوار، وليست دار أمان واستقرار.

ومع كل هذا علينا أن نعيشها بكل دقائقها ونكابد مصائبها، ونحقق فيها آمالنا وطموحاتنا، وأحلامنا أيضاً، فنقبلها كما هي، لأننا لا نستطيع أن نخلق حياة على هوانا خالية من الآلام والشرور كما تصور الفلاسفة في «اليوتوبيا» والمدينة الفاضلة.

هذا هو جهد الإنسان فليبذله، ويستخدم أدواته المعرفية كي ينطلق أكثر وأكثر ويحقق النجاحات بعد النجاحات، فقد خرج من الغابة وخلف الحيوان وراءه وشق الأرض وزرعها، وحلق في أجواء الفضاء وسيطر عليه، وما زالت خطواته المتوثبة تتواصل وتتقدم في طريق المستقبل بالرغم من الآلام التي تطارده، والموت الذي يتعقب خطواته، وينتظره في آخر الطريق.

(للحديث بقية)