قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الراشي والمرتشي والرائش ـ أي الذي يمشي بينهما.
والرشوة بحق جريمة بكل المقاييس والموازين، فهي آفة شنيعة في النفوس رعباً، وفي الحقوق تضييعاً، وفي المظالم اتساعاً، وفي المعاملات فوضى، وفي الحرام سريان كسريان السم في اللديغ.
الرشوة بحق كارثة تضج الأصوات المتألمة تحت وطأتها، وتتلوى بسياط جلاديها يغتالون الأمن وينشرون الرعب، ويخيمون على مساحات من الحياة عيونها مذعورة، وقلوبها موتورة، وأيديها ممدودة إلى أيدي الجلادين بالإتاوة التي لم يعد أناس منهم يتحرجون من طلبها بصوت عالٍ، وكأنما هم ومن هو مسؤول عنهم يتقاسمون الدماء الممتصة من جباه الناس.
أجل هي آفة اغتالت الأمن وسرى بها الخوف إلى أعماق النفوس التي راحت تجأر حيناً، وتتهامس لا تجرؤ على الإفصاح حيناً آخر، حقوقنا تهضم إن لم ندفع، أوقاتنا تهدر، تصطنع لنا مضايقات للابتزاز، تلفق لنا افتراءات، تغلق أبواب العمل في الوجوه، تكسد التجارة، تمنع من دخول ميادين كثيرة إلا من بوابة هذه الآفة، تحاك الدسائس بما يجر ظلماً ألواناً مختلفة، تصنعها قسوة قلوب وتمساحية في النفوس، تريد أن تشارك الناس في عيشهم بناء على الكرسي الذي يجلسون عليه، استغلال رهيب للوظائف.
إن الرشوة تنعدم لو تفقه الناس في الدين والتزموا أحكام الشريعة التي جاءت لإسعاد البشرية قاطبة وكانوا على جانب من الجرأة في الحق ومخاصمة الظالم، لو فعلوا لحفظت الحقوق وقلمت أظفار المرتشين إن لم تقطع أصابعهم، وشاعت الطمأنينة وانتفى الرعب ثمرة الرشوة المرة. أما ما يصرخون به صراخ اللديغ فلا يعدوا تعبيراً عن ألم يزيد فيه إن لم يرسخه على ما هو فيه.
وأخطر هذه الهدايا ما يؤخذ على القضاء، سواء أخذها على الحكم بالباطل أو بالحق، وما كان على باطل أشنع وأبشع، ولكون القضاء مظنة ضمان الحقوق وردها والحكم بالعدل، فإذا تلاعبت الرشوة في رؤوس القضاة ألقت بها في دروب الباطل وضياع الحقوق ونصرة الظالم على المظلوم. إن فساد القضاء تدمير لآمال أصحاب الحقوق وإغلاظ للباطل في الأرض.
ومن الرشوة ما يدفع من أجل أن ترسو على الدافع المناقصة التي يشارك فيها، وربما زعم أن له حقاً فيها غافلاً عن أن جميع المشتركين فيها سواء، وما يدفع بهذا الصدد حرام وأخذه إثم. ومنها ما يدفع بصورة هدايا من شركات تسوق بضاعة ما إلى الموظف الذي يوقع على عقود شراء هذه البضاعة لصالح دائرته مرجحاً لها عما سواها لا لجودة فيها. إنما الهدية تبذل من صانعيها لقاء تقديم منتجها دون خصوصية في السلعة تميزه في التقديم.
وكذا ما يدفع لقاء تعيين الراشي في وظيفة ليس لها بكفء، أو كان لها كفأ لكن لا يعين إلا برشوة، وكذا ما يأخذه بعض رجال الجمارك لتمرير بضاعة دون رسوم إلا الرشوة المدفوعة، أو تقليل ثمن البضاعة لتقليل نسبة الرسوم المدفوعة أو لإعفائها من تلك الرسوم بالمرة.
ومنها ما يدفعه المراجع في معاملة ما لتقدم على سائر المعاملات، ولولا الدفع لاحتاجت إلى وقت أطول، ومنها ما يرجع إلى لجان التقدير التي يبنى على تقديرها رسوم معينة.
والحاصل أن الرشوة أكل أموال الناس بالباطل ومن غير وجه حق، وينبني عليها فساد الدنيا والآخرة أما فساد الدنيا فإن الفوضى تعم البلد فلا الحق حق، ولا الباطل باطل. وأما فساد الآخرة فإن اللقمة الحرام تقذف بصاحبها في النار يوم القيامة.
زكريا الطحان