قال تعالى: «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، إلى صراط مستقيم» سور ة المائدة ـ الآيتان 15 ـ 16 يقول بعض المفسرين ان المقصود بالنور الذي جاء من الله سبحانه وتعالى، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه جاء بالرسالة الخالدة التي أخرجت العالم من عصور التيه والظلام تلك التي كان غارقا فيها شرقيه وغربيه إلى نور الهداية، فقد كان العالم قبل انبثاق فجر الإسلام يعيش في ليل من الجهالة والضلال.
القوي هو الأعز والأحق بالسيادة، والضعيف هو الأذل المسلوب الإرادة، لاحق له في أي شيء يشعره بإنسانيته، فهو المسخر لخدمة السيد، ينفذ ما يطلب منه دون جدال أو مطالبة بحق، وان تجرأ وفعل فالويل له من عذاب السيد الطاغية المستبد، ومع النور الذي قصد به النبي عليه الصلاة والسلام جاء الكتاب، القرآن الكريم الذي بين كل شيء، وبهذا التبيان هدى الله به من اتبع رضوانه إلى طريق الحق والحقيقة، وهي سبيل الحرية والسلام، انجلت معالمه واضحة فاستعاد فيه العالم جمالياته التي طمستها تلك الظلمات من الجهل.
يقول الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي: «في القرآن الكريم دعوات عالية وأحكام مثلى لتخليص الإنسانية من الظلم والاستبداد والطغيان اذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله.
ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون» ويصور السادة الطغاة المفسدين في الأرض تصويراً صادقاً فيقول: «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهده الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له أتق الله أخذته العزة بالإثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد».
ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل إن القرآن الذي يهدي إلى التي هي أقوم يمضي بنا في دعوة إلى أخوة الجماعات الانسانية التي تعيش في ظلال السلام، يقول المولى سبحانه وتعالى: «يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» نعم لتعارفوا وتتعاونوا على البر والتقوى لا لتحاربوا أو تتبضاغضوا ويظلم بعضكم بعضا ويطغى ويستبد بعضكم على بعض.
أن أول مواجهة مسلحة بين المسلمين ومشركي قريش في بدر في العام الثاني للهجرة في السابع عشر من شهر رمضان كانت احقاقا وتثبيتا للحرية بمفهومها الإسلامي والتي كان المشركون يسعون بكل ما أوتوا من قوة أن يخنقوها. لقد كان المسلمون في بداية فجر الدعوة وحتى يوم الفرقان وهو يوم بدر.
أذلة مستضعفين يحصى عليهم أهل الكفر أنفاسهم، فجاء انتصار بدر تحولاً كبيراً في مسار الدعوة ونشر ثقافة الحرية الشاملة سياسيا واجتماعيا واقتصادياً.
ان بدراً كانت فجر العزة وترسيخ أركانها ورفع قواعدها الشرك جهل «وظلم عظيم» كما وصفه المولى عز وجل، كان المشركون عبيداً لأصنامهم التي توارثوها عن الآباء وكانوا عبيداً لمعتقدات وتقاليد زائفة «ما أنزل الله بها من سلطان» ومع ذلك وعندما جاءت حرية الواقعية التي حررت الإنسان وأفادته .
ـ كما تقول الاستاذة حورية الخطيب ـ وأعطته الصور الحقيقية للأشياء، لم يرفضوها فحسب، وإنما أرادوا ان يكبلوا غيرهم بقيود تلك الجاهلية العمياء وتأبى عليهم ان يتحرروا منها وقد مارس ذلك الشرك على المؤمنين بالله ورسوله شتى ألوان التعذيب في مكة ثم لاحقوهم في المدينة بالغزوات التي ما كان مسعرها غيرهم.
ولم يقتصر الأمر على أهل الشرك، وإنما تعداهم إلى الذين كفروا من أهل الكتاب، وعداوة اليهود في الحجاز لم تكن مجهولة لنا ولا الروم النصارى الذين جيشوا الجيوش الجرارة لاستئصال وافناء خضراء الإسلام وهذا هو الحال على امتداد العصور، العداء سافر وقائم بين كل هذه الفئات عبدة الأوثان بمختلف أشكالها الحديثة.
واليهود والنصارى أصحاب العداء الظاهر والسافر مهما غلف في ذرائعهم الماكرة المختلفة، وصدق الله القائل في كتابه العزيزة «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل ان هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الحق، ما لك من الله من ولي ولا نصير» سورة البقرة ـ الآية 120. والخطاب ليس قاصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما لعموم من يؤمن بالله وبرسوله ويدين بدين الحق.
إنهم لا يزالون يسعون في الأرض فساداً، يهلكون الحرث والنسل ويصمون الإسلام والمسلمين بالإرهاب وهم الذين يمارسون الإرهاب فينا بكل أبعاده فهل نخالف أمرنا فنواليهم خوفا وفزعا منهم؟ قال تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ان تصيبنا دائرة» سورة المائدة ـ الآيتان 51 ـ 52
ونختم بان حالنا الذي نحن فيه اليوم من انكسار بعد شموخ، وتسليم للآخر لأن يفعل فينا ما يشاء وتشتتنا وتخاذلنا، بل ونفش ريشنا على بعضنا بعضا لينتف هذا الريش من الآخر في استسلامنا التام له، بمعنى أننا لم نعد أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين وإنما انعكست الآية تماما، ان حالنا هذا لا يصلح الا بما صلح به أولنا من أولئك الرجال الذين أذلوا الشرك والكافرين.
نصرهم الله لأنهم نصروا الله مسلكا ومنهاجا وشرعة ان الحرية في الإسلام بمفهومها الصحيح لم يعد لها تواجد في مجتمعاتنا فأصبحت قيدا يكبل الأفكار والعقول والجهود الأمر الذي قادنا إلى الاستسلام بأن التخلف أمر مكتوب علينا وهو قدرنا وما علينا الا الصبر والتسليم، وهذا خطأنا الكبير الذي أفضى بنا إلى ما نحن عليه، فهلا انتبهنا إلى أنفسنا بالعودة إلى حرية الإسلام التي هي العمل الفاعل تحت مظلة الاختيار الحر؟