وجاء شهر رمضان، جاء ليزودنا بعطاء ربنا حتى نكون على الجادة الموصلة إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
ولا شك أن شهر رمضان يعتبر موسماً من أنسب المواسم للذكر وقراءة القرآن وطاعة الله عز وجل، والتقوى التي هي الغاية الكبرى من صوم الإنسان.
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
والتقوى: تشمير واجتهاد في الطاعات من اتقاء كل ما لا يرضي الله ورسوله.
كما إنها التزام بالمنهج الرباني الذي يجلب السعادة الحقيقية للإنسان.
وهي أيضاً التزام بما يرضي الله عز وجل في القول والفعل، وإذا حافظت النفس على ذلك ظفرت وسعدت وعاشت في دائرة الرضا بمشيئة الله.
وقد فرض الحق سبحانه وتعالى الصوم ليحقق الإنسان التقوى ويتحقق بها ويظهر ذلك في سلوكه وتصرفاته مع خالقه ومع الناس في رمضان وغير رمضان، فالإنسان التقي يشعر بسعادة غامرة وهو يقف بين يدي خالقه في الصلاة، حيث الطمأنينة وسكينة النفس وهدوء البال، لأنه يعيش بالكلية مع ربه وتزداد سعادته عندما يبتعد عن كل ما يشغله عن طاعة ربه وعن ذكر الله وقراءة القرآن والدعاء.
جاء في الخبر: إذا ما اشتبكت الأصوات واختلفت اللغات، وأشار الخلق بالأكف إلى رب السموات، واشتد البكاء، وعلا النداء وظهر الحنين، واشتد الأنين، وانهملت العيون بأبلغ العبرات، وأخلصوا التوبة من سوء الموبقات، اطلع الله جل جلاله فيقول: ملائكتي إني أشْوَق إلى دعائهم من الظمآن إلى الماء البارد.
قال ذو النون المصري واصفاً الأتقياء المحبين الذين يحرصون على قيام الليل وخاصة في شهر رمضان قال: ـ
استعبرت عيونهم وخالفوا السُّهاد ففارقوا الرُقاد. فليلهم طويل ونومهم قليل، أحوالهم لا تنفد وهمومهم لا تفقد، أمورهم عسيرة ودموعهم غزيرة، قد أحرقت المحبة قلوبهم، وصَفا من الكدر مشروبهم، لا جرم أنهم شربوا بالهنا وبلغوا المنى ولله در القائل في وصفهم:
تشاغَلَ قومٌ بدنياهم
وقوم تخلوا لمولاهم
فألزمهم باب مرضاته
وعن سائر الخلق أغشاهم
فما يعرفون سوى حبه
وطاعته طول محياهم
يصفُّون بالليل أقوامهم
وعين المهيمن ترعاهم
فطوراً يناجونه سُجداً
ويبكون طوْراً خطاياهم
إذا فكروا في الذي أسلفوا
أذاب القلوب وأبكاهم
وإن يسكن الخوف لا ذوا به
وباحوا إليه بشكواهم
أصبحوا صياماً على جُهدهم
تبارك من هو قوّاهم.
إن الصائم التقي هو الذي يعرف حدود شهر رمضان، لذا فإنه يترفع بنفسه عن كل الدنايا ويسمو بنفسه عن كل الصغائر، تُرى لماذا؟ لأنه عاش المعنى الحقيقي للصوم وسيطرت عليه حالة من الرضا لما يفعل، لذا تراه يحسن إلى جاره ويصل رحمه ويكثر من فعل الخير بنفس راضية.
والذي يصوم يجب ألا يلتفت إلى عناء جسمه وخلو معدته، بل ينبغي أن ينظر إلى هذا على أنه مظهر من مظاهر التقرّب الحقيقي إلى مولاه، وأن حبه لله عز وجل هو قوام السعادة الروحية التي يشعر بها أثناء تعبده وطاعته لخالقه.
والصوم أمر مرغوب فيه وعبادة محبوبة، ولن يكون هذا إلا عند أولئك الأتقياء الأصفياء الأنقياء الذين يسيرون على الطريق الموصل لمرضاة ربنا دون أن يشعروا بآلام الأشواك المبثوثة في الطريق، لذا علينا بالتقوى فهي جماع كل خير.
قيل لبعض الصالحين عند موته: أوصنا، قال: عليكم بآخر آية من سورة النحل. قال تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني قال: عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير.
قال الشاعر:
إذا المرءُ لم يلبس ثياباً من التقى
تجرد عُريانا ولو كان كاسياً
فخير خِصال المرء طاعة ربه
ولا خير فيمن كان لله عاصياً
فالعيش الطيب والسعادة الحقيقية للإنسان إنما يكون بدوام اليقظة لما يحبه الله ويرضاه.
وفي ختام اللقاء دعاء ورجاء: ـ
ـ إلهي، يا غفور يا رحيم، أتيتك ونحن نتذوق جلاوة الصيام بذكرك وتلاوة كتابك، أتيتك بقلب خاشع ينشد الرضا ويرجو القبول، هامت أرواحنا في حبل وعزفت عن الدنيا لأنها تعرف أن كل إنسان على الأرض غارب وكل زائر على الدنيا ذاهب، وليس لنا إلا تقواك ورضاك ولا حول ولا قوة لنا إلا بك، ياذا الجلال والإكرام، يا الله.
ـ إلهي، يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون وأمره بين الكاف والنون، افتح لنا في هذا الشهر الفضيل أبواب رحمتك وفضلك وأنزل علينا فيه من بركاتك وأبسط لنا من الرزق ما يوصلنا به إلى مغفرتك ورحمتك واهدنا لصالح الأعمال واقض لنا فيه الحوائج والآمال يا من لا يحتاج إلى سؤال، يا عالماً بما في صدور العالمين، يا الله.