إن الثمرة التي يحصدها صاحب الغذاء الفكري من خلال القراءة المتفحصة في صنوف العلم المختلفة كثيرة فمنها قد يستطيع الإنسان من جراء تجرع جرعاتها النافعة الإسهام الفعلي في تقويم المجتمع بمختلف فئاته وثقافته .
وكذلك الإسهام في تقديم بعض الخدمات للحياة البشرية ولو بشيء يسير، فلا تقتصر فائدة القراءة على ذات القارئ فحسب بل قد تشمل منافعها المجتمع المحيط به والبشرية جمعاء .
كما هو الحال في بحور الإنتاج العلمي المتعدد الجوانب عند العلماء المفكرين والمبدعين من أصحاب الاختراعات والابتكارات المختلفة فمن علمهم ينهل الجميع ومن معرفتهم يستفيد الكثير فلربما اكتشف هذا القارئ أشياء جديدة يضيفها مستقبلا بما يعم الخير والنفع للبشرية أو لعل القارئ يستدرك بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض العلماء فيحاول بفكره أن يصححها أو يبدي رأيا سديدا من ثمرة غذائه الفكري للعقل هذا .
ونذكر بعض مزايا هذه القراءة والفوائد التي يكون لها الأثر الايجابي في تثقيف الإنسان فيرتقي عبر ثقافة القراءة إلى سلم النهوض والتقدم لأن الأمم والحضارات لا تتقدم وتتطور إلا عن طريق الاغتراف من منابع العلم وبحور الثقافة .
ولا يكون ذلك إلا بالقراءة وسبر أغوار التجارب النافعة في فنون العلم المختلفة الروحية والمادية التي تسعد البشرية ونقتصر على سرد بعض هذه الفوائد نذكرها على سبيل الإيضاح لا الحصر.
أولا: اكتشاف بعض المجهولات لدى الإنسان في صنوف المعرفة الثقافية والسياسية والعلمية والفكرية والتقنية... فقد لا يعرف الإنسان أو لم يقف على بعض ما خفي عليه من أخبار محلية أو عالمية.. فالقراءة قد تكشف له هذه الأسرار المجهولة فلعله يعرف الحقيقة من ذلك بسبب الإطلاع الجزئي أو الشامل. ثانيا:
معرفة اتجاه الآخرين وأفكارهم من خلال الإطلاع على ثقافاتهم وكتاباتهم المتنوعة العلمية والأدبية، والفقهية فلا يمكن للقارئ لمنصف أن يتهم أي احد ويلقي عليه اللائمة في مسألة ما، أو قد يكون هذا صاحب الاتجاه الأخر وضع حلا مناسبا لقضية معينة يعتبره من جهة نظره صائبة.
فمن خلال القراءة يعرف اتجاه ذلك العالم أو الكاتب أو المخترع أو المهندس أو الفنان ولعله يبني على إنجازهم العلمي أو الفقهي...، وهكذا لا يصدر أي حكم بفساد وعدم صلاحية ما أنجزه الآخرون؛ سواء أكان ذلك الحكم ايجابيا أو سلبيا إلا بعد القراءة في مؤلفاتهم ونظرياتهم وبحوثهم العلمية.
ثالثا: غربلة بعض الأفكار التقليدية التي لا تتلاءم مع معطيات العصر الحديث ولا تقدم أي شيء يذكر للبشرية فالقارئ قد يقف على بعض التحليلات العلمية تخالف المعتقدات السائدة التي تعتبر في بعض المجتمعات ومع فئة قليلة من الناس من المسلمات القطعية ولا يمكن العدول عنها بحجة أنها تخالف تراث أو تقاليد الآباء والأجداد فهذه (التقاليد يمكن أن تعيش قرونا متطاولة من الزمان إذا لم تسلط عليها الأعاصير ولا معاول الهدم، بحيث يخيل للرائي أنها متينة وصامدة وقوية وراسخة.
ولكنها لا تكون كذلك! تكون قد جفت، وفقدت الملاط الحيّ الذي يربط بين لبناتها، ويجعل منها بناء راسخا يصمد للأنواء... فإذا جاءت الأعاصير، وسلطت معاول الهدم، فسرعان ما تنهدم تلك التقاليد، التي كانت تبدو صامدة راسخة، والتي عاشت طوال قرون من قبل لا ينالها التغير!) كالأعراف المنتشرة بين بعض فئات المجتمع .
لاسيما دول الذهب الأسود فإذا وقف القارئ تجاه هذه المسائل وجدها تخالف الأدلة العقلية والنقلية عند المسلمين خصوصا وعند غيرهم من الملل الأخرى تخالف الكرامة الإنسانية، والطبيعة البشرية ومثال ذلك انتشار ظاهرة الرقيق والسيد والمسود، و تأخير أصحاب الكفاءات العلمية في العمل وتقديم أصحاب الجاه والشرف.
وشيوع ظاهرت التعصب القبلي في بعض أرجاء المعمورة، وغيرها من العادات التي نبذها الإسلام وكل ذي قلب لبيب وفكر ثاقب. فإذا استبصر القارئ بقراءته فسيكشف لا محالة حقيقة الأمر بسبب الإطلاع المتفحص فعن طريقتها يستطيع أن يغربل هذه التقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ويعلم علم اليقين أن بعض العادات والتقاليد الدخيلة على المجتمع الإسلامي التي يعتبرها بعض الناس من الحقائق المسلم بها فلا يمكن لها أن تسود وتهيمن على عقول الشباب خصوصا أصحاب الثقافات الحية في العصر الحاضر والمستقبل لأنها أصبحت بالية تذروها الرياح فهي كالرماد لا تجدي نفعا للبشرية، خصوصا ونحن في ثورة الاتصالات المتنوعة والفضائيات المرئية التي غزت المجتمعات البشرية بمختلف شرائحها فهي تدخل إلى البيوت من دون استأذن مسبق.