وأمسيتنا الليلة استكمال لحديث البديهة وسرعتها. وقد رُوي أنّ أحد العظماء كان في مجلسه وكان أبوالعلاء المعري ضمن الجالسين، وورد ذكر أبي الطيّب المتنبي الشاعر المعروف فتنقصه ذلك العظيم فقال أبوالعلاء: إن أبا الطيب المتنبي لو لم يكن له غير تلك القصيدة لكَفَتْه. قال وما هي؟ قال لامِيَّتُه التي مطلعها:

لكِ يا مَنَازِلُ في القلوبِ مَنازِلُ

أقْفَرْتِ أنْتِ وهُنّ مِنْكِ أواهِلُ

فأمر المُضيف بإخراج أبي العلاء! فعاتبه البعض وقالوا إنه لم يقل ما يعاب عليه. قال بل إنكم لم تفطنوا إلى قصده، فإنما ذكر هذه القصيدة معرضا ببيت فيها يقول فيه المتنبي:

وإذا أتَتْكَ مَذَمَّتِي من ناقصٍ

فَهيَ الشهادةُ لي بِأنِّيَ كاملُ

فعجبوا من ذكائه وذكاء أبي العلاء وراجع أحدهم أبا العلاء فأكد أنه قصد ذلك فعلا!

الإمام موسى بن جعفر

ومن سرعة رد موسى بن جعفر رضوان الله عليه وكان عابدا زاهدا، ما رواه المرتضي في أماليه بسنده، أن أحد أبناء الأنصار يدعى (نُفَيْعا) كان عِرِّيضا أي يُعَرّض بالناس توجه يوما مع عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز إلى بيت هارون الرشيد وظلا ينتظران الإذن ثم أقبل الإمام موسى بن جعفر يركب حمارا فقابله الحاجب بكثير من الترحاب، وأعظمه الجميع وعُجِّل له الإذن فدخل قبل الجميع فقال نفيع من هذا الشيخ الذي عظموه كل هذا التعظيم وعُجل له الإذن؟

قال عبد العزيز: إنه موسى بن جعفر شيخ آل أبي طالب، فقال نُفيع: ما رأيت أعجز منهم يفعلون هذا برجل يرجو أن يزيل عنهم ما هم فيه من مُلك؟ أما لئِنْ خرج لأسُوأَنَّه! قال له عبد العزيز:

إياك وما عزمتَ عليه، فإنهم أهل بيت قلّما تعرض لهم أحد إلا وسَمُوه بجوابٍ سمةً يبقى عارها عليه أبد الدهر! بيد أن

نفيعا لم يقتنع فلما خرج موسى فإذا نفيع يمسك بلجام حماره ثم قال له: من أنت؟

ففهم موسى مغزى السؤال. فقال له: يا هذا إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله، بن إسماعيل ذبيح الله، بن إبراهيم خليل الله. وإن كنت تريد البلد فإنه البلد الذي فرض الله على المسلمين وعليك ـ إن كنتَ منهم ـ الحج إليه. وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركو قومي بمسلمي قومك أكْفاءً لهم حتى قالوا يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قريش، خَلِّ عن الحمار لا أمَّ لك! فخلّى عنه ويده ترتعد خزيا وانفحاما وسقط من أعين الناس وجعلوا في المجالس يعيرونه بذلك!

وبشار بن بُرْد

ومن سرعة الجواب أن رجلا قال للشاعر بشار بن برد: يا أبا معاذ إن حالك عجيب. أنت تفخر أروع الفخر حتى تقول:

إذا ما غَضِبْنا غَضْبةً مُضَريّةً

هتَكْنا حِجابَ الشمسِ أو أَمْطَرَتْ دما

إذا ما أعَرْنا سيّدا مِن قبيلةٍ ذُرَى مِنبرٍ صلّى علينا وسلما

ثم إنك مع ذلك تقول:

ربابةُ ربّةُ البيتِ تَصُبّ الخلَّ في الزيتِ

لها سبعُ دجاجاتٍ وديكٌ حسنُ الصوتِ

فقال: إنما القدرة على الشعر أن يوضع كل شيء في محله، فلا يوضع الهزل محل الجد ولا الجد محل الهزل. وربابة هذه جارة لي تنفعني بما تبعث لي من بيض دجاجها وهذا الشعر الذي لا يعجبك هو عندها أحسن من: (قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل)!

بديهة رجل مع الخليفة

وروي أن عبد الله بن الزبير لما قُتل توجه أحد أنصاره إلى الخليفة عبد الملك بن مروان معتذرا، فلما دخل وسلم لم يرد عليه الخليفة بل قال: الحمد لله الذي ردّك على عَقِبَيْك، قال أو ترى أن من جاءك فقد رُدَّ على عقبيه؟! فلم يستطع جوابا وأعجب به وقربه.