قال الإمام السبكي في الطبقات: «هو الإمام شيخ الإسلام البحر الحبر، المدقق المحقق، النظار الأصولي المتكلم، البليغ الفصيح الأديب العلم الفرد، زينة المحققين، إمام الأئمة على الإطلاق، عجماً وعرباً، وصاحب الشهرة التي سارت السراة والحداة بها شرقاً وغرباً».
وأخذ في إضافة أوصاف بمدحه بها كثيرة جداً، تدل على إعظام المصنف له، والبلوغ في تقديره درجة قل أن يضيفها على أحد من الأئمة غيره. إلى أن تكلم عن أحواله، فقال: ولد في الثامن عشر من المحرم سنة تسع عشرة وأربعمئة، واعتنى به والده من صغره، لا بل من قبل مولده.
وذلك أن أباه اكتسب من عمل يده مالاً خالصاً من الشبهة، اتصل به إلى والدته، فلما ولدته له حرص على ألا يطعمه ما فيه شبهة فلم يمازج باطنه إلا الحلال الخالص، حتى يحكى أنه تلجلج مرة في مجلس مناظرة، فقيل له: يا إمام، ما هذا الذي لم يعهد منك؟
فقال: ما أراها إلا آثار بقايا المصة. قيل: وما نبأ هذه المصة؟
قال: إن أمي اشتغلت في طعام تطبخه لأبي، وأنا رضيع، فبكيت وكانت عندنا جارية مرضعة لجيراننا، فأرضعتني مصة أو مصتين، ودخل والدي، فأنكر ذلك، وقال: هذه الجارية ليست ملكاً لنا، وليس لها أن تتصرف في لبنها، وأصحابها لم يأذنوا لها في ذلك، وقلبني وفوعني حتى لم يدع في باطني شيئاً إلا أخرجه، وهذه اللجلجة من بقايا تلك الآثار.
فانظر إلى هذا الأمر العجيب، وإلى هذا الرجل الغريب، الذي يحاسب نفسه على يسير جرى في زمن الصبا الذي لا تكليف فيه، وهذا يدنو مما حكى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم أخذ الإمام الفقيه على والده، وكان والده يعجب به ويسر، لما يرى فيه من مخايل النجابة.
وأمارات الفلاح وجد واجتهد في المذهب والخلاف والأصوليين، وغيرها وشاع اسمه، واشتهر في صباه، وضربت باسمه الأمثال، حتى صار إلى ما صار إليه، وأوقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه، وسلك طريق البحث والنظر والتحقيق، بحيث أرى على كثير من المتقدمين وأنسى تصرفات الأولين، وسعى في دين الله، سعياً يبقى أثره إلى يوم الدين، ولا يشك ذو خبرة أنه كان أعلم أهل الأرض بالكلام والأصول والفقه وأكثرهم تحقيقاً، بل الكل من بحره يغترفون، وأن الوجود ما أخرج بعده له نظيراً!
وأما التفضيل الذي كان بينه وبين من تقدم فقد طال الشرح فيه في عصره، ولا نرى للبحث عن ذلك معنى، ثم توفي والده وسنه نحو العشرين، وهو مع ذلك من الأئمة المحققين، فأقعد مكانه في التدريس، فكان يدرس ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البيهقي، حتى حصل الأصول عند أستاذه أبي القاسم الإسكاف الإسفرايني، وكان يواظب على مجلسه.
قال عبد الغافر: وقد سمعته يقول في أثناء كلامه: كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مئة مجلد. وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل، ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد (أبي عبد الله) الخبازي، يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته على التدريس، وينفق ما ورثه وما كان يدخل له على المتفقهة، ويجتهد في المناظرة، ويواظب عليها، إلى أن ظهر التعصب بين الفريقين، واضطربت الأحوال والأمور.
قال عبد الغافر: فاضطر إلى السفر، والخروج من البلد، فخرج مع المشايخ إلى المعسكر، وخرج إلى بغداد يطوف مع المعسكر، ويلتقي بالأكابر من العلماء ويدارسهم ويناظرهم، حتى طار ذكره في الأقطار، وشاع ذكره واسمه، فملأ الديار، ثم زمزم له الحادي بذكر زمزم، وناداه على بعد الديار البيت الحرام فلبى وأحرم، وتوجه حاجاً، وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويفتي.
ويجتهد في العبادة ونشر العلم، حتى شرف به ذلك النادي، وأشرقت تلاع ذلك الوادي، وأسبلت عليه الكعبة ستورها، وأقبلت عليه وهو يطوف بها، كلما اسود جنح الليالي بيض بأعماله الصالحة ويجورها، وصفت نيته مع الله، فلو كانت الصفا ذات لسان لشافهته جهارا، وشكر له المسعى بين الصفا والمروة إقبالاً وإدباراً.
ثم عاد إلى نيسابور بعد ولاية السلطان ألب أرسلان، وتزين وجه الملك بإشارة نظام الملك، واستقرت أمور الفريقين، وانقطع التعصب، فبنيت له المدرسة النظامية بنيسابور، وأقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريبآً من ثلاثين سنة، غير مزاحم ولا مدافع مسلم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة.
وهجرت المجالس من أجله، وانغمر غيره من الفقهاء بعمله، وكسدت الأسواق في جنبه، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته، فظهرت تصانيفه وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم من الطلبة، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمئة رجل من الأئمة ومن الطلبة، واتفق له من المواظبة على التدريس والمناظرة ما لم يعهد لغيره، مع الوجاهة الزائدة في الدنيا!
وسمع الحديث في صباه من والده، ومن أبي حسان محمد بن أحمد المزكي، وأبي سعد عبد الرحمن بن حمدان النضروي، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن يحيى المزكي، وأبي سعد عبد الرحمن بن الحسن بن عليك، وأبي عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النيلي، وغيرهم. وأجاز له أبو نعيم الحافظ، وحدث.
وروى عنه زاهر الشجامي، وأبو عبد الله الغراوي، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن وغيرهم.
ومن تصانيفه «النهاية» في الفقه، لم يصنف في المذهب مثلها، فيما أجزم به.
و«الشامل» في أصول الدين.
و«البرهان» في أصول الفقه.
و«الإرشاد» في أصول الدين.
و«التلخيص» مختصر «التقريب والإرشاد» أصول فقه أيضاً. (التقريب والإرشاد) للقاضي الباقلاني و«الورقات» فيه أيضاً، و«غياث الأمم» و«مغيث الخلق» في ترجيح مذهب الشافعي، و«الرسالة النظامية» و«مدارك العقول» وله «ديوان خطب» وله «مختصر النهاية» اختصرها بنفسه!
وأثنى علماء عصره عليه، فقال أبو سحاق الشيرازي: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني إمام الحرمين. وقال له مرة: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، لقد استفاد من علمك الأولون والآخرون. وقال له مرة أخرى: أنت اليوم إمام الأئمة.
وقال شيخ الإسلام الصابوني: صرف الله المكاره عن هذا الإمام، فهو اليوم قرة عين الإسلام، والذاب عنه بحسن الكلام.
وقال الحافظ أبو محمد الجرجاني: هو إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره، عديم المثل في حفظه وبيانه ولسانه.
قال: وإليه الرحلة من خراسان والعراق والحجاز، وقال قاضي القضاة أبو سعيد الطبري، وقد قيل له إنه لقب إمام الحرمين: بل هو إمام خراسان والعراق، لفضله وتقدمه في أنواع العلوم.
وروى ابن السمعاني أن إمام الحرمين ناظر فيلسوفا في مسألة خلق القرآن، فقذف بالحق على باطله، ودمغه دمغاً، ودحض شبهه دحضاً، ووضح كلامه في المسألة حتى اعترف الموافق والمخالف له بالغلبة.
وقال أبو القاسم القشيري: لو ادعى إمام الحرمين اليوم النبوة لاستغنى بكلامه هذا عن إظهار المعجزة!وعنه هو أنه قال: ما تكلمت في علم الكلام كلمة حتى حفظت من كلام القاضي أبي بكر وحده اثني عشر ألف ورقة. ويحكى أنه قال للغزالي يوماً: يا فقيه، فرأى في وجهه التغير، كأنه استقل هذه اللفظة على نفسه، فقال له: افتح هذا البيت، ففتح مكاناً وجده مملوءاً بالكتب فقال له: ما قيل لي: يا فقيه، حتى أتيت على هذه الكتب كلها.
وإننا نقر بمنزلة الجويني في كل العلوم التي تعرض لها، كأصول الفقه، أصول الدين، الفقه، الخلاف والجدل. ففي أصول الفقه: نجد له آراء دقيقة، تكشف عن مصادر المعرفة ومناهج البحث، إلى غير ذلك من التفصيلات الدالة على عقل راجح، عليم بخبايا منطق البحث، وحقيقة النفوس، ولقد بحث في مصادر أصول الفقه: الكلام والعربية والفقه، وفصل في فروع ذلك. وهو يرى أنه في حالة تعسر تكوين الحد، ينبغي لجوء الباحث إلى منهج أو مسالك التقاسيم الذي يعرف اليوم بمنهج التحليل. وقد جعل الجويني أبحاثه في أصول الفقه مقدمة للاجتهاد والافتاء!
وفي أصول الدين: للإمام الجويني أبحاث في مسائل الكلام، تعرض لإثبات حدوث العالم توصلاً إلى تبيين حاجة المحدث أو المخلوق إلى محدث أو خالق، أو موجد وهو الله تعالى. وللجويني أبحاث في صفاته تعالى، وفي إثبات العلم، وإثبات النبوات، كما تعرض للسمعيات وتحدث في الآجال والرزق والأسعار، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والثواب والعقاب.
ورد على المعتزلة والخوارج والمرجئة وفي الوعد والوعيد وهي آراء تتناول مسائل أصول الدين التي اختلف حولها المتكلمون. وفي الفقه بحث الإمام الجويني في المسالك الفقهية على اختلافها من صوم وصلاة ونجاسة وطهارة وبيع وشراء ونكاح وطلاق، وحرص على الرد على مخالفي المذهب مفنداً آراءهم، في مناقشات تقوم على الدراية بأصول الجدل، مبرراً حقيقة النص والتفرقة بين العموم والخصوص والأحكام المطلقة والمقيدة كما حقق بالأخبار وبين صحة التواتر ودقق في «رأي الكافة» أو الإجماع.
الخلاف والجدل: للجويني مصنفان في الخلاف هما «الدرة المعنية فيما وقع في خلاف ما بين الشافعية والحنفية» لم تزل نسخته في المتحف البريطاني، و«غنية المسترشدين في الخلاف» ذكره ابن خلكان ولم يعثر عليه.
أما في الجدل فله مصنفات تبحث في ضرورة معرفة الحد في العلم الذي يخوضه الفرد ويمارسه. والجويني وهو خبير بالمصطلحات الجارية بين أهل زمانه، يثبتها ويشرحها بعد المقارنة، مثلاً: لقد شاع بين علماء الأصول، أن «الحد» و«الحقيقة» و«المعنى» ثلاثة ألفاظ لهدف واحد فبحث الجويني فيها مفرقاً بين المفهوم اللغوي والاصطلاحي ممثلاً على كل حالة.
وهو يقول إنه يرمي من مصنفاته إلى دراسة فكر القلب وتأمله في حال المنظور للتعرف إلى حكمه جمعاً أو فرقاً أو تقسيماً. ويفيض في الحديث عن حقيقة العلم، فيقول: حد الفقه: هو العلم بأحكام الشريعة، الفهم: هو سرعة معرفة معنى الكلام، الفطنة: هي معرفة لطائف الحقائق.
واشتغل الجويني بعلم الكلام بدافع رغبته الأكيدة في إفادة الناس وتهدئة بني قومه، لكنه لم يجد في علم الكلام ما يشفي غليله منه، لذلك روي عنه أنه قال قبل أن يموت: اشهدوا عليّ أني رجعت عن كل مقالة يخالف منها السف وإني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور. لقد اكتشف أن طريق القلب، أي طريق الصوفية، هو الذي ينتهي بالباحث إلى التحقق بالذات العلية، ونعرف أنه في ذلك العصر، لم يتبع التصوف غير أتباع الكتاب والسنة، فالإمام كان متكلماً في مذهبه، متصوفاً في حياته رحمه الله رحمة واسعة.