عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«أما إنكم لو أكثرتم ذكرها هادم اللذات لشغلكم عما أرى الموت فأكثروا ذكر هادم اللذاتِ (الموت) فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقولُ أنا بيتُ الغربة وأنا بيت الوحدة وأنا بيتُ التراب وأنا بيتُ الدود فإذا دفن فيه العبد المؤمن قال له القبر مرحباً وأهلاً أما ان كنتَ لأحبّ من يمشي على ظهري إليَّ فإذا وليتك اليوم وصرت إليَّ فسترى صنيعي بك فيتسع له مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة وإذا دفن فيه العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر :
لا مرحباً ولا أهلاً اما ان كنت لأبغض من يمشي على ظهري الي فإذا وليتك اليوم وصرت الي فسترى صنيعي بك فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه ويُقيّض له سبعين تنيناً لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا فينهشهُ ويخدشه حتى يفضى به إلى الحساب إنما القبر روضةُ من رياض الجنة أو حفرةُ من حفر النار، «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه الإمام الترمذي وهو حديث حسن».
إن الملاحظ المدقق يجد الخطاب سردياً في بداية هذا الهدي حيث الوعظ والتخويف في عالم الدنيا وصار نافذة على الخطاب التصويري في العالم البرزخي والزمن في بداية النص هو زمن قول النص فهو حاضر ويعود إلى الزمن الحاضر في خاتمة النص ليغدو دائرياً يطوف خلال هذه الدائرة بوقائع من زمن آخر.
وقد بنيت اللوحة في هذا الهدي الشريف الترغيبي الترهيبي على التضاد بين مقام المؤمن الصالح ومقام العاصي الطالح في الحياة البرزخية، حيث أول النعيم وأول الشقاء: وكان الموت هو النافذة على هذين المقامين.
وهكذا بدأ الحديث بالتحفيز على استنكار الموت واستحضار عواقبه بالانقطاع عن شؤون الدنيا وزخرفها البالي ثم شخص القبر تشخيصاً حياً مناسباً للفكر الديني والبرزخ أي تكلم بكيفية لا نخوض في ماهيتها بل نفوّض الأمر إلى الخالق، فأتانا في صورة متكلم والرعب كامن في الاتصالات إلى صوت في جوف القبر.
وفي تصور الشفاه في التراب وامتلأ هذا القبر رضى على المؤمن وحنقاً على الكافر الفاجر وذكرت للقبر قيم نفسية فإذا ان صاحب قلب يحب ويبغض وصاحب حكمة وذكرت للقبر صور مفزعة وهذه الصور هي:
«أنا بيت الغربة»، «أنا بيت الوحدة»، أنا بيت التراب من هذه الصور نفسية لكون القبر مكان الغربة والانفراد ومنها حسية لارتباطه بالتراب بعد مباهج الدنيا والترويج الحسي في كونه بيت الدود حيث المكان المحصور في شكل غريب وهو تعبير جديد على تشكيل اللغة ويوحي بالكثرة والمحاصرة، فالعذاب حسي ونفسي.
والمكان المتعدد في هذا الحديث حسي وروحاني وعندما يرحب القبر بالمؤمن يتحول المكان من ساحة مقيدة إلى ساحة مطلقة بتعبير مد بصره وهو مكان لا يتصور إلا كتلة سوداء مظلمة ويجيء إلى اللوحة مكان آخر هو باب الجنة وامتزاج الأمكنة كوة القبر وباب الجنة إشارة إلى المقاييس الغيبية التي لا نعهدها.
وعلى النقيض من المشهد السابق استقبال الفاجر أو الكافر، حيث مشاعر البغض ثم تبدأ الحركة الضاغطة على الداخل حتى التماس وهو صورة لمسية محيطة من كل جانب خانقة للأنفاس وتختلف الأضلاع في مشهد باطني مروع بعد العصر الشديد فهذه تكون هنا وتصبح هناك وهذه هناك وتصير هنا، وفي كلا المشهدين المتضادين يحصل استرجاع زمني إذ يتذكر القبر مرور المؤمن عليه ومرور الكافر.
والزمن التعاقبي سريع في هذا الحديث إذ كانت الفترة بين إبداع المشاعر والحركة القصيرة، ويدل على هذا وجود الفاء التعقيبية «فيلتئم عليه» وكلمة حتى الحيز الزمني الذي يوحي بطول الفترة الزمنية للالتئام الضاغط والاستمرار في التصميم على هذا الفعل ثم اتسعت دائرة الرؤية لتشمل على مساحة غيبية غير محدودة تتكالب فيها هذه المخلوقات الغيبية التي ينسب إليها الخيال ما في مخزونه من ألوان قبح وتصور لأسباب تعذيب تدخل في منظوم شكلهاالمغاير والمحاصرة مع هذه المخلوقات تعذيب فوق تعذيب.
فنحن نشهد سبعين تنيناً قيضوا للفاجر ويشير الفعل المضارع المبني للمجهول إلى استحضار المشهد وإلى السكوت عن القوة الهائلة التي تجهز سبعين تنيناً كما أن العدد تكثيري، فالقائل هو الصادق المصدوق وهذا غير مستبعد والله أعلم بهذا الأمر.