حاز أبو العلاء المعري « «944ه» شهرة واسعة في الأدب العربي، لقوة عارضته وأسلوبه القوي وجودة سبكه، وصياغته المحكمة، وشعره الفلسفي ونظراته العميقة وفلسفته التي تجنح إلى التشاؤم، ونقده اللاذع لبعض الأوضاع السياسية والفكرية.
وتساؤله المستمر عن حقيقة قضايا الغيب المتعلقة بالله، والبعث والعقل، مما دفع بعض المؤرخين ـ من أمثال ابن الجوزي وشمس الدين الذهبي ـ إلى اتهامه في عقيدته، ورميه بالزندقة، عرف المعري بنظراته النافذة، ونفاذ بصيرته وسعة أفقه، وخبرته بأحوال البشر وحقائق الحياة، بعد أن صهرته تجارب السنين، وصقلت شخصيته. وسوف نتوقف أمام قوله المشهور:
تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد لنستبطن قصده، ونبحث عن الفكرة المضمرة في هذا القول، ونلخصها في نقطتين جوهريتين، الأولى وهي التي تتكلم عن سمات الحياة وأهمها هذا الكد المبذول، والتعب المستمر والجهاد المتواصل لتحقيق الوجود الذاتي، والكينونة الإنسانية.
وهذا القول ليس بجديدي، ولا خبرة مجهولة، أو سر مكتوم، فما هو إلا توصيف لطبيعة الحياة التي يمارسها البشر، وتصوير لجوانبها المرئية والخفية، وتقرير لحقيقتها التي نلمسها جميعاً في معاناتنا اليومية، ولهاثنا المستمر.
والمتأمل في هذه الحياة يجدها هكذا فعلاً، تعب وعناء ومشقة ومكابدة منذ لحظة الميلاد حينما يولد الطفل باكياً صارخاً له، لا يريد أن يأتي لهذا الوجود، فيستعينون بالقابلة على إخراجه من ظلمة الرحم، إلى ضياء الحياة، إلى ساعة الرحيل حينما يخرج دامعاً على نفسه، متحسّراً على شبابه وعمره، بعد أن عدّ من سقط المتاع، وسئم تكاليف الحياة.
وعليه أن يدخل في ظلمة النفق ثانية ولكن ظلمة القبر هذه المرة: فنحن أمام سلسلة من المكابدات منذ اللحظة الأولى، إلى آخر شهقة تجود بها الروح قبل أن تنطلق إلى عالم لأنوار ـ رحلة مستمرة من العرق والدموع والدم، وسير على الأشواك وآلام تقطع نياط القلب، وأحزان لا قبل للإنسان بها بعد أن تصفعه المقادير بفقد أحبائه دون تمييز أو تفرقة أو ترتيب، فالموت يأتي في كل لحظة.
وينقض كطائر الرخ الأسطوري، فيخطف من يشاء، كيفما شاء، مرة الأب وأخرى الأم، مرة يفقد الأخ وأخرى الأخت أو الابن والبنت. وهكذا قصة طويلة من رحلة الموت التي لا تتوقف إلا لكي تبدأ ثانية.. وهكذا تبدو خطوات الإنسان بطيئة في دروب الأيام المظلمة ولياليها الحالكة.
وليس المعري أول من تنبه لهذه الحقيقة الساطعة التي لا شك فيها، حتى لو كان شك ديكارت نفسه بشيطانه الماكر، فهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً أمام ما نعيشه من أحداث، إذ لفت القرآن الكريم نظرنا في قوله: «لقد خلقنا الإنسان في كبد» «الإنسان4»، وهذا أصدق تصوير لحقيقة حياة الإنسان، ونستطيع أن نستنبط من الآية معطيات من الآلام لا تنتهي منذ ظهور قابيل على هذه الأرض وقتله لأخيه..
إلى تدمير إسرائيل لبنان تدميراً كاملاً أمام العالم وهو يشاهد ذلك، مروراً بالحروب والدمار والقتل والمرض والمستشفيات والسجون، إنها رموز لآلام الإنسان ومعاناته، نعم الآية تتحدث عن العناء المتلبس في نسيج حياة الإنسان، فهي لحمته وسداه، وصيرورة المكابدة والمشقة المصاحبة لرحلته منذ صرخة الولادة إلى بكاء الوداع الأخير.