من شيم الصالحين وصفات المتقين المتعففين أشباه نبي رب العالمين يوسف عليه السلام الذين ترفّعوا عن النظرة الحرام لبنات الطين، وادّخروها للحور العين في جنة الرحيم، واستجابوا لأمر الله تعالى «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون».

فأسرعوا وهم مذعنون، وللأمر مستجيبون، وبآداب الإسلام متأدبون، ولداعي الله مجيبون، فغضّوا أبصارهم طهارة للنفس وتزكية لها «ذلك أزكى لهم» مع استشعارهم قوله:

«إن الله خبير بما يصنعون»، وأنه سبحانه وتعالى «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور»، فلو خلوا عن رقابة الناس تذكروا رقابة الله واستيقظ القلب وتنبه فيفيء لأمر الله رافضاً ما سواه، غير مهتم إلا برضاه، فيسرع السير إليه تعالى ويشعر بحلاوة المناجاة، وهي ثمرة غض البصر عن المحارم وترْك التطلع فيما حُجِبَ وسُتِر مصداقاً لما رواه حذيفة عن النبي: «النظرة سهم من سهام إبليس، فمن تركه من خوف الله آتاه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه».

ذلك أن ابليس يحاول النفاذ إلى القلب ليخرِّبه ووسيلته في ذلك النظرة الحرام التي لا يجتمع أثرها في قلبٍ مع صفائه لله وفي هذا يقول ابن القيم «إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور، والقلب كعبة، والمعبود لا يرضى بمزاحمة الأصنام».

وأكثر من ذلك قد تحرمه تلك النظرة لبنات الطين من الفوز بالحور العين. قال أبو الدرداء: «مَنْ غَضَّ بصره عن النظر الحرام زَوَّجه الله من الحور العين حيث أحب، ومن اطّلَعَ فوق بيوت الناس حَشَره الله يوم القيامة أعمى!!».

فيحرم بالحرام حوراءُ عيناء جميلة حسناء، بكرٌ عذراء، حسنها باهر وجمالها زاهر ودلالها ظاهر، عذبٌ نطقها كحيلٌ طرفها، عسلٌ ريقها، عَجَبٌ خَلْقها، حسنٌ خُلُقها، زاهية الحُلِيّ، بهية الحُلل، كثيرة الوداد، عديمة الجفاء، قد قصرت طرفها عليك فلم تنظر إلى سواك؟ وتقربت إليك بكل ما وافق هواك، لو برز ظفرها ليلاً لطُمِس بدر التمام، ولو بدا معصمها لأسر كل الأنام، ولو ظهر سوارها ليلاً لانمحى عن الكون الظلام.

يحرم هذه المرأة التي هذا وصفها بنظره إلى الحرام.. يُحْرَم مَنْ قال ابن عباس عنهن «لو أن امرأة من نساء الجنة بصقت في سبعة أبحر لكانت تلك الأبحر أحلى من العسل» بالنظر إلى مَنْ لا تحلّ له ممن نسين الله فخرجن كاسيات عاريات مائلات مميلات متاجرات بأجسادهن فكشفن العورات بعد تجردهن من الحياء، وهؤلاء ذكرهن ابن المقفع في (الأدب الكبير) محذراً من التعلّق بهن، محقراً شأنهن، مظهراً إياهن على حقيقتهن فأبان أن ما يخفينهن حقير فقال:

«وما يتزيّن في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن عن معروفاتهن: باطل وخدعة، بل كثيرٌ مما يرغب عنه الراغب مما عنده» . ومن خداعهن حذّر الإمام ابن مفلح الحنبلي في كتابه (الفروع) فقال: «وليحذر العاقل إطلاق البصر فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه» أي العين ترى الإنسان الذي تُمنع شرعاً من معاشرته والاختلاط به على غير حقيقته فتظنه منخدعة حسناً!

وهذا كثير في واقعنا، فبالنظرة الحرام كثيراً ما يفتن الشيطان البعض بأناسٍ يرونهم أجمل منظراً وأعذب حديثاً من الأزواج والزوجات، وغالباً ما يُساقون للزنا والعياذ بالله لأن «النظر الحرام بريد الزنا»، وبأدنى الجهد معها يبلغ الشيطان ما يريد منهم فيزيّن لهم الحرام الخبيث، ويكرههم في الحلال الطيب الذي عندهم، ولأن النفس لا تميل إلى ما ألفت، وتطلب غير ما عرفت.

وتظن في الجديد مزايا لم توجد فيما عندها! قد يقع المرء في المحظور، وكم من نظرة أردت صاحبها وأنزلته من علياء الإنسانية إلى حضيض الحيوانية، وليس أدل على ذلك من زنى هند بنت الخُسّ الإيادية إحدى أميرات العرب في الجاهلية بعبدها بسبب إطلاق البصر والاختلاط المحظور ولما سُئلتْ: لِمَ زنيت بعبدك وأنتِ سيدة قومك ؟ وما أغراك به؟!

قالت: قُرْب الوساد وطُول السِّوَاد!» أي أن الذي دفعها إلى الزنى أمران: أحدهما: (قرب الوساد) كثرة المخالطة له والنوم قريب منه، والثاني: (طول السّواد) وهو كثرة الحديث والمناجاة. فلا ينبغي أن تقترب من أسباب الفتن حتى لا تقع فيها لأن «مَنْ أعطى الفتنة من نفسه أولاً، لم ينج منها آخراً وإن كان جاهداً».

ولهذا حَذَّر ابن القيم من الشهوة وآثارها فقال: «واعلم أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإن الشهوة: إما أن توجب ألماً وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عِرْضاً توقيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذهب مالاً بقاؤه خير من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه.

وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تُطرِّق لوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هماً وغمَّاً وحزناً وخوفاً لا يُقارب لذة الشهوة، وإما أن تُنسي علماً ذِكْره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدواً، وتحزن ولياً، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول.