فطر الرجال على تحمل الكدح والكبد، وعلى تحمل المصاعب والصبر على المصائب، وهو أمر نحتسبه عند الله لا عند العبيد، ونعتبره من طبائع الحياة في الأرض، فلا نحتج ولا نتبرم، ونبلع المرارات بصمت ونرسم على وجوهنا ملامح الابتسام والرضا دون شكوى إلا لله وحده.

ومع إقرارنا بوجود السفهاء من الرجال، فإن هذا لا يسم الرجولة كلها بالسفاهة، ولا يبرر أن يبخس كل الرجال حقهم، مع أنهم من دفع الثمن الأكبر لقيام الحضارات وإنجاز الانتصارات وتقدم العلم وإغناء الفكر ووصول البشرية إلى ما هي عليه اليوم من رفاه ورخاء.

الأنبياء والرسل رجال، وأصحاب الفتوحات والانتصارات رجال، وأكثر أهل العلم والفكر رجال، وأصحاب الاختراعات والاكتشافات معظمهم رجال، والملوك والرؤساء رجال، والوزراء أكثرهم رجال، وأصحاب الأعمال أكثرهم رجال، وأكثر العاملين والموظفين رجال، ومن يجمع القمامة من الشوارع رجال، ومن بنى الأهرامات رجال، ومن يحقق معجزات الاعمار والبناء رجال، وجيوش الشعوب والدول رجال، وحماة الحدود والمنافذ رجال، وأكثر سكان السجون رجال، لأن من يظن أنهم قادرون على كل شيء هم الرجال.

لا أحاول أن أدافع عن الرجال أو أن أقدم عنهم شهادة حسن سير وسلوك، ولا أحاول أن أنزل من قيمة النساء ولعل أكثر من سعى إلى حصول النساء على حقوقهن رجال، واعترف أن من الرجال المجرمون والمنحرفون والعتاة والظالمون والمنافقون والسارقون، ولكننا اليوم أمام ظاهرة عجيبة هي إنكار كل حميد في صفات الرجال وخلالهم، وتصوير الرجولة على أنها شيء مقرف ومخز ومنفر، وتجيير كل شرور العالم للرجال دون تمييز بين ظالم ومظلوم، وبين مجرم وبريء وبين صاحب قرار ومنفذ مجبر للقرار.

عندما تتصفح كثيراً مما كتب فيما يسمى بالأدب النسوي تشعر بالغثيان عند الحديث عن الرجل ووصفه، حتى شاع أن للنساء ثأرات عند الرجال وأن من حق المرأة أن تتحرر على ما سمي بالسلطة الذكورية، ويبدأ هذا التمرد بالتحرر من الثياب ولا ينتهي عند الخروج على قوانين الحشمة والآداب.

ليس الرجل ـ كل رجل ـ قبيحاً وقميئاً إلى هذا الحد.. والدين والأخلاق والعادات ليست تعبيراً عن أهواء الرجال، لقد تجرأ البعض حتى قال أن الدين هو إنجاز رجولي وأن الله ذكر -والعياذ بالله- وأن الشرائع حيل الرجال في استعباد النساء.

ومن حق الرجل أي رجل أن يحزن لكل النكران والجحود بعد كل الثمن الذي دفعه ويدفعه وسيدفعه إلى يوم القيامة، فهل يعقل أن يمضي الرجل ساعات نهاره في عمل مضن وتحد شرس ليؤمن الحماية والرعاية والكفاية لأسرته ثم يستخف بكل هذا ويضرب به عرض الحائط ويقابل بالاتهام والإلغاء؟

البعض بشر بالأنوثة باعتبارها مستقبل العالم الآمن، وهذا البعض يدفعه جنون الاضطهاد بتصوير الأديان والقوانين باعتبارها وضعت وشرعت لتضمن سيادة وسيطرة الرجال، ما رأيكم أن نركب رجال الأرض في مركب فضائي وننفيهم إلى المريخ و«عمرهم ما يرجعوا».

الزوجة في البيت صارت تنظر إلى ما يقدمه الرجل باعتباره واجبه ومن باب تحصيل الحاصل ولا جزاءً ولا شكوراً، وفي علمي أن أكثر الرجال لا يتهربون من مسؤولياتهم ولكن لا بأس في كلمة شكراً ولمسة حانية.

ثم استمع إلى ما تبثه وكالات الأنباء ونشرات الأخبار، حادثة أو انفجار أو صدام نشأ عنه ضحايا منهم كذا من النساء وكذا من الأولاد.. والرجال الله لا يردهم.. يا سيدي ويا سيدتي مع احترامي لكل امرأة ولكل طفل وأنا زوج وعندي أولاد وقلبي ينفطر لموت امرأة أو طفل، ولكن موت الرجل يستحق أن يذكر لأنه إنسان أولاً ولا يمكن أن «يفطس» هكذا مجاناً، ولأنه معيل ثانياً وموت رجل يعني تشريد عائلته من النساء والأطفال.

إنني أطالب أن يعامل الرجال على أنهم كائنات بشرية لا دراكولات مصاصين للدماء، ولا يمكن أن تعمم أخطاء وجرائم شريحة من الرجال كبرت أو صغرت على كل الرجال.

إن من يموت كل يوم في الحروب والاعتداءات أكثرهم رجال، حتى وإن كان من أشعل فتيلها حفنة من الرجال، آلاف من الضحايا كل يوم ومقاومة واستشهاد يعيدان للأمة شيئاً من ماء الوجه يصنعهما رجال، فلماذا نؤخذ جميعاً بجرائم بعضنا، كما أن كلمة حق لا بد أن تقال، ليست النساء جميعاً ملائكة، فقد كان للمرأة عبر التاريخ وما يزال أدوار في تخريب المعمورة ونشر الفساد في الأرض، ولا أظن أن كلاماً كهذا بحاجة إلى برهان سيما في هذا الزمان.

لقد دفع الرجال أثماناً باهظة عبر التاريخ وإلى اليوم، فارحموا الرجال يرحمكم الجبار المتعال.

شر بلية آخر يضحك ويبكي.