حين كان عمر أحمد رامي سبع سنوات ذهب مع أسرته إلى جزيرة (طاشيوز) في البحر المتوسط القريبة من (قوله) وكانت تابعة للدولة العثمانية، وأقام سنتين قبل أن يعود وحده وهو في التاسعة للدراسة بمصر، وخلال إقامته في تلك الجزيرة «تفتح برعم خياله على غابات اللوز والنقل والفاكهة والبحر والموج والشاطئ، وكانت ملاعبه هناك بين مروج النرجس الكثيفة، هذه المروج التي كانت من قبله ملاعب لهوميروس وغيره من شعراء اليونان الأقدمين كما قال الشاعر صالح جودة في ترجمة رامي.

وتفتحت موهبة رامي للشعر في ظل أناشيد المنشدين، وأصداء طبيعة مصر، ومع صفحات الكتب التي عاش بين رفوفها.وتقلب رامي في الأعمال الإدارية والديوانية والتدريس، وثبت أخيراً في دار الكتب المصرية حتى صار وكيلاً لها وقد جاوز الستين.

وكان لاستغراق رامي في حب الطبيعة وظلالها، وفي ذكرياتها المخزونة في أعماقه أثر في ميله إلى الرومانسية، والتفاته إلى حياة البساطة، وأجواء الريف، والنفور من مقتضيات حياة المدينة الصاخبة ذات الضجيج. وأكبر صورة تحدث عنها الشعراء في العصر الحديث هي لأحمد رامي حين جعل الطبيعة صورة مأطورة في إطار أنيق، قال:

طال شوقي إلى ربوع الديار

واستيافي ذاك النسيم الساري

واكتحالي بمنظر النيل يجري

بين ظل النخيل والأشجار

وسماعي الكروان ينضح روحي

بأغانيه من خفي المطار

يتغنى وقد سجا الليل والبد...

ر نثا ضوءه كذوب النضار

واستقرت له الطبيعة حتى

لتراءت كصورة في إطار!

وشَخّص الصورة الذهنية حتى لقد تحدث عن إهدائها:

يا مهديا لي صورة الأمل

أهديت لي حقباً من الأجل!

وأعجب رامي بفكرة الصورة، التي يؤطرها إطار يزيد في جمالها ويكون إضافة جمالية لها أيضاً، فردد ذلك في أكثر من موضع من شعره، كقوله في ختام قصيدة:

مناظر هذي الطبيعة رسم

وذهنك أنت إطار الصور!

وهذا البيت من قصيدة عنوانها «إلى مصور» طاف فيها الشاعر بذلك المصور في أرجاء واسعة من دنيا الجمال، في مجالي الطبيعة الرائعة. وكأن أحمد رامي الذي اشتهر بأشعار الحب، وبالمنظومات الزجلية (من النظم الشعبي) في أحوال العشق والعشاق يقول إن مجالي الجمال تتكامل بين الحسن الإنساني، وبدائع جمال الكون الفسيح والطبيعة الساحرة... قال:

جلوت من الكون بدع الصور

فهلا جلوت بنات الفكر؟

وددت لو انّك تعطى خيالي

وتعرض صورته للنظر

فإنك ناقش برد الطبيع

ةعند الأصيل وعند السحر

إذا صورت كفك النهر يجري

سمعت خرير مياه النهر

وإن صورت كفك الطير خي...

ل أني أسمعه يستحر

وإن صورت كفك الغصن يهفو

ينوء بحمل نضيج الثمر

سمعت حفيف الغصون وتقت

إلى قطف أثمارها والزهر

والذي يطلبه رامي طلبه آخرون، ولكنه استطال واسترسل وفصل واشترط ليكون الجمال كاملاً أن يلتقي جمال المنظر مع حسن الحقيقة والمخبر..

وربط رامي بين الصور المتلاحقة وبين حالات نفسه:

رسمت لي البحر طاغي العباب

تحطم أمواجه في الصخر

وصورت لي البحر في هدأة

تجلت صحيفته كالغدر

كذلك حالات نفسي تردد

بين الصفاء وبين الكدر!

وطلب من المصور أن يخرج به من الحضر إلى مجالي الطبيعة وأن يهيم معه في صحبة الطير في جوه يمجد الخالق المقتدر، ثم قال مخاطباً المصور:

أردد صوت الطبيعة شعراً

وتنقل عنها أجل الأثر

مناظر هذي الطبيعة رسم

وذهنك أنت إطار الصور!