أوقات رمضان كنوز ثمينة من اغتنمها في الخير كان له الثواب الجزيل من رب العالمين، وكل أوقات شهر رمضان مباركة سواء بالنهار أو بالليل، والصائم الموفق هو الذي يحرص على أن يعمر وقته في رمضان بالعمل الصالح الذي يقبله المولى عز وجل ويكون في صحيفة الإنسان مسطراً بحروف من نور، لذا ينبغي على المسلم ان يعرف ان الطريق إلى الله يكون بمراقبة الأوقات وعمارتها بالخير على الدوام.
المسلم لا يمل في نهار رمضان من أداء ما افترضه الله عليه بل يؤديه بحب وسرور ويرجو من الله أن يتقبل منه، وحال المسلم الصادق المحب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يغفل ليل رمضان فيقضيه في طاعة الله عز وجل، لذا تراه يحافظ على صلاة التراويح ثم بعد أن يأخذ قسطا من النوم يستيقظ في الليل ليعيش مع خالقه يناجيه ويطلب منه وهو سبحانه أجود من أعطى يفعل ذلك وهو يؤدي صلاة التهجد بقلب خاشع ونفس مطمئنة.
فمن السفن والنوافل التي ينبغي على المسلم ان يحافظ عليها في العشر الأواخر من رمضان صلاة التهجد أو قيام الليل وهي غير صلاة التراويح وقد ورد في فضل صلاة التهجد نصوص كثيرة: قال تعالى: «ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً». وهذا الأمر وإن كان خاصاً بالمصطفى صلوات ربي وسلامه عليه إلا أن عامة الناس يدخلون فيه بحكم الاقتداء به صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون. (الذاريات 7,8).
لما ذكر الحق سبحانه وتعالى حال أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم بين أنهم كانوا محسنين في الدنيا في أعمالهم الصالحة من فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه، وبين إحسانهم الذي وصفهم به فقال: «كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون». قيل: الهجوع: النوم بالليل دون النهار.
والمعنى كانوا قليلاً ما ينامون من الليل، و(ما) زائدة، ويجوز أن تكون مصدرية أو موصولة، أي كانوا قليلاً من الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه.
وشهد الحق سبحانه وتعالى لمن يقوم الليل بالإيمان، وأن لهم عند الله تعالى أجراً عظيما. قال تعالى: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (السجدة 15، 16، 17).
ماذا ينتظر المسلم بعد هذه المنح الربانية التي اعدها الله لعباده الذين يؤثرون الصلاة في وقت له مزية خاصة بالليل على الفراش والنوم أو السهر فيما لا فائدة فيه، أينتظر حين يحين الأجل ويقول رب ارجعون لعلي اعمل صالحاً، لقد ساق الله البشرى للمسلمين المحافظين على الصلاة في الليل وحق لهؤلاء أن ينعموا ويسروا لما أعده الله لهم بما لا يخطر على بال أحد، وطوبى لمن يقوم الليل في رمضان ويؤدي صلاة التهجد كي يكون مع الفائزين الذين وصفهم المولى عز وجل فقال تعالى:
«أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. (الزمر 9). إن القيام ليلا لذكر الله يجلب هناء الضمير، وقرة العين وانشراح الصدر كما أنه يعمل على إزالة سلطة الشيطان عليه وقهره، كما أن القيام للصلاة ليلا أو من الليل سبب لدخول الجنة وحصن منيع من النار.
يروى أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما رأى رؤيا ان ملكين أخذاه إلى النار، فقابله آخر قال: لن تراع، لن تراع، فقص الرؤيا على أخته السيدة حفصة، فقصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نعم الرجل عبدالله، لو كان يقوم من الليل!!
فما ترك التهجد بعدئذ قال شراح الحديث: فيه أن القيام بالليل يمنع عذاب النار، وأي فرح وعز وشعور بالنجاة والسرور من أن يضمن الإنسان لنفسه السلامة من جهنم والفوز بجنة أعدها الله للمحسنين الصالحين ولصلاة التهجد أكثر من مزية لمن يؤديها ومنها: يقف الخلائق للحساب الا المتهجد فيمر بسلام، وأيضا لعل المتهجد يتفق دعاؤه مع ساعة تفتحت لها أبواب رحمة الله تعالى فيجاب دعاؤه وينال سؤاله فينجح ويربح.
كما أن قيام الليل يجدد للجسم نشاطه ويبعث الصحة ويقوي دورة الدم وينقيه باستنشاق نسيم السحر. أيضاً أن قيام الليل يؤدي إلى تبادل الثقة بين الزوجين، فالرجل يوقظ زوجته وهي توقظ زوجها، وقد دعا لهما الرسول صلى الله عليه وسلم بالرحمة ان فعلا ذلك، وهذه هي السعادة أن يتعاونا على طاعة الله وهنا تتجدد عرى الصداقة وتقوي روابط الأسرة ويزول سوء التفاهم وتشرق أنوار السعادة على البيت فيخرج الزوج إلى عمله قرير العين.
روي عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن في الليل لساعة لايوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة الا اعطاه اياه وذلك كل ليلة. (رواه مسلم). وروي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد.
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته فإن ابت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء، (رواه ابو داود) وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجه وابن خزيمه وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. وروت السيدة عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر.
وفي الآثار: ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يمر بالآية من ورده بالليل فيسقط حتى يعاد منها أياماً كثيرة كما يعاد المريض.
وكان ابن مسعود رضي الله عنه: اذا هدأت العيون قام فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح. وكان عبدالعزيز بن أبي رواد إذا جن الليل يأتي فراشة فيمر يده عليه ويقول: «إنك للين، ووالله إن في الجنة لألين منك، وليزال يصلي الليل كله. وقال الحسن: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وقال الفضيل بين عياض:
إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك. وقال المغيرة بن حبيب رمقت مالك ابن دينار فتوضأ بعد العشاء ثم قام إلى مصلاه فقبض على لحيته فخنقته العبرة فجعل يقول: اللهم حرم شيبة مالك على النار، الهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين مالك؟ وأي الدارين دار مالك؟ فلم يزل ذلك قوله حتى طلع الفجر.
* وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء:
* اللهم ألهمنا في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان، ألهمنا الصواب في أقوالنا وأفعالنا، وأوردنا موارد الحق، وجنبنا طريق الباطل وخذ بيدنا في الأمور كلها، وارحم يارب من ضاقت به الحيل، واستجب لدعائنا ولا تخيب رجاءنا، وعجل يا رب شفاء مرضانا وعافنا بجودك ورحمتك من بلائنا واختم لنا بالسعادة التي ختمت بها لأوليائك، يا مجيب دعاء المضطرين، يا رحمن يا رحيم ارزقنا الثبات على الحق وثبت قلوبنا على دينك.
فنحن نعرف أن الطريق طويل وما أشد حاجتنا إلى عونك ومغفرتك فلا تخذلنا وانصرنا فما شئت كان وما نشاء كائن، أنت المدعو وأنت المرجو وأنت المأمول ولا حول ولا قوة لنا إلا بك.
اللهم إنا نستغفرك من كل ذنب يكون في اجترائه قطع الرجاء، ورد الدعاء، وتوارد البلاء، وترادف الهموم، وتضاعف الغموم، اللهم نور دربنا بنور الإيمان وطهر يارب قلوبنا عمن سواك واملأ صدورنا باليقين، وجد علينا بما تجود به على من ألقى بنفسه إليك من عقول وكرمك، وامنن علينا بما مننت به على من طمع في غفرانك واجعل لنا في يومنا هذا نصيبا من رضوانك حتى نكون من الفائزين.