خص الله داوود بنعمه وفضله. بنبوة وملك. فكان أواباً، وأمر الله الجبال والطير أن تردد مع داوود التسبيح والذكر فنعم العبد النبي.فضله الله على كثير من خلقه تفصيلاً . وهذا يدل على عظم شأنه وكبرياء سلطانه .
إن الله أعطاه الزبور ولقد ورد ذكر داوود في القرآن. كان ملكاً نبياً علمه الله صناعة الزرد وعدة الحرب.
نشأ داوود فتى صغيراً من بني إسرائيل . وكان جالوت ملكاً قوياً وقائداً محنكاً محترفاً مخيفاً.
كان ببيت لحم رجل تقدمت به السنون، وأحنت صعدته الأيام يعيش آمناً في سربه، ولما دقت طبول الحرب واستنفر طالوت بني إسرائيل للجهاد، انتخب ذلك الرجل ثلاثة من أبنائه للجهاد. ثم قال للأصغر أنت تحمل الطعام فهذا نصيبك من الجهاد. وحذروه من مقاربة الحرب لحداثة سنه. كان ذلك الغلام هو داوود - عليه السلام - وكان مع حداثة سنة وليونة عوده - وضيء الطلعة، أبلج الغرة، مستعر الذكاء متوقد ما بين الجوانح.
وما أن وصل إلى ساحة القتال حتى وجد رجلاً عملاقاً يتحدى ولكن الأقران تتحاماه والشجعان تخشاه . فسأل عن هذا الذي يقف متحدياً متغطرساً! فقيل له : هذا جالوت رئيس الأعداء وزعيمهم وما برز إليه شخص إلا رده جريحاً، أو أرداه قتيلاً . والقلوب قد هلعت لهيبته واضطربت لبأسه وشدته .
وقد جعل طالوت جزاء من يقتله، ويقي المؤمنين كيده وشره.أن يزوجه إحدى بناته . ويوليه الملك من بعده، فثارت الحفيظة في نفس داوود، وهاجت الحمية في قلبه، واشتدت عزيمته وشاء الله أن يرى القوم وقتذاك أن الأمور لا تجرى بظواهرها، إنما تجرى بحقائقها . وحقائقها يعلمها الله . ويطالعنا القرآن بنبأ المعركة في قوله تعالى :-
ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين . «سورة البقرة».
كان هذا تصوير القرآن لآخر لحظات المعركة الحاسمة . وهو تصوير يبين مشهد الصبر والمرابطة فيضاً من الله يفرغه عليهم فيغمرهم ويسكب عليهم سكينة وطمأنينة واحتمالاً للهول والمشقة وطلب النصر. الذي لا يعز على طالب أخذ بكل أسبابه متوكلاً بعد ذلك على الحي القيوم..
وبعد تصوير القرآن للمعركة .. نرى الفتى داوود .. تشده العزيمة وهو يرى هذا الكافر يتحدى قومه فخف إلى طالوت وطلب منه الأذن في منازلة هذا الطاغية ( جالوت) لعل مصرعه يكون على يديه .
وأراد الله أن يجعل مصرع هذا الغشوم على يد هذا الفتى الصغير، ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف ضعاف !! وحين يكون الصراع بين الحق والباطل . سرعان ما يحق الله الحق ويزهق الباطل .
ومع ذلك فإن طالوت استصغر الفتى حديث السن وخشى عليه من بطش جالوت .
قال داوود: لا يخدعنك ما تراه من صغر سني، وقماءة جسمي عن حرارة الإيمان التي تجيش في صدري ونار الحنق التي تلتهب في قلبي ولقد هجم بالأمس القريب أسد على غنم لأبي فعدوت وراءه حتى أصبته فقتلته، وصادفني مرة في طريقي دب فاتك فنازلته ثم أرديته، والعبرة بقوة النفس لا كبر السن .
وبمضاءة العزم لا بضخامة الجسم. ورأى طالوت الصدق في لهجته، والحزن والعزم في نيته فقال له : دونك وما تريد، الله كالئك وحافظ، وهاديك ومبصرك! ثم ألبسه ثيابه وقلده سيفه، وتوجه خوذة فوق رأسه. ولكن داوود لم يكن قد لبس الدرع، ولا عالج السيف، فناء بما حمل وثقل عليه ما اشتمل، فخلع كل ذلك، واحتمل عصاه واحتقب مقلاعه، واصطحب أحجاراً ملساء وتهيأ للخروج. قال طالوت : كيف القتال بالحبل والمقلاع، وهذا مقام السيف والنشاب.
قال داوود إن الله الذي حماني من أنياب الدب ومخالب السبع سيمنع عني - بلا شك فهزئ به جالوت محتقراً شأنه ومد داوود يده إلى كتفه، وأخرج الحجر، ووضعه في المقلاع وسدده نحو جالوت فإذا هو مشجوج الرأس، سائل الدم، مثخن الجراح، ثم قفاه بحجر وحجر حتى خر صريعاً وارتفعت راية النصر.
وانكسرت بعد جالوت شوكة العدو، وولوا منهزمين، يتبعهم بنو إسرائيل ضرباً وطعناً وثأروا لأنفسهم ( وقتل داود جالوت) وأصبح بين عشية وضحاها حديث القوم، فالتفت على محبته القلوب، وتأكدت له أواصر الخلاص وكان داوود ملكاً نبياً عليه السلام .. ( وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) .