نظّم الإسلام العلاقة النسبية بين طاقة الإنسان والطبيعة باعتبارها المصدر الأولي للثروة من جهة، وبين الإنتاج وحق التملك من جهة أخرى، حين جعل الناتج للمنتج الحقيقي لا للمُستغل، ثم حرّم الاستغلال بشتى صوره وأساليبه، وشجّع على توظيف والمواهب، لا بتمليك الإنتاج للعامل فحسب، بل بجعل العمل شرفاً وواجباً وجهاداً، مع نماذج وتطبيقات عملية، ثم اهتّم بمن تعطّل عن العمل، كلّية أو بصورة جزئية، فقرّر التكافل العائلي والتضامن الاجتماعي للعاجزين.

وجعل للثروة المملوكة بطريق مشروع وظيفة اجتماعية لخدمة الإنسان والمجتمع معاً، ومن غير أن تكون لخدمة أحدهما على حساب الآخر، ومنع إنتاج أو تداول أو استهلاك السلع والخدمات التي تشيع (الفحشاء والمنكر) في المجتمع أو في نفس الإنسان، منعاً للأمراض الاجتماعية والصحية والنفسية، وسائر السلبيات التي تنعكس سلبياً كذلك على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية ونحوها.

وبهذا يكون الإسلام العظيم قد حدّد «مفهوم العمل والإنتاج» بمنحى شامل وتكاملي يحقق المصالح ويدرأ المفاسد في إطار الحفاظ على كرامة الإنسان.

أن العمل هو الطاقة أو الجهد الحركي الذي يبذله الإنسان من أجل تحصيل أو إنتاج ما يؤدي إلى إشباع حاجة معينة محلّلة، أما الإنتاج فهو السلع والخدمات التي يساهم الجهد البشري في إيجادها من أجل إشباع حاجة ما.

وهذا الإنتاج قد يكون سلعة، كما قد يكون خدمة. فتكييف الطاقة يتجسّد في إنتاج السلع والخدمات، فالطبيب والنّجار والعامل والحمّال، كل منهم يكيّف طاقته الإنسانية من أجل إشباع حاجة معينة، لأن العمل هو الجهد، أو القوة البشرية التي تتفاعل مع مختلف العناصر الأولية من أجل توفير سلعة مادية، أو إشباع حاجة فكرية أو نفسية، كالكرسي والقميص والكتاب، والعلاج الطبّي، والقصيدة الشعرية.

وقد حدّد الإسلام مفهوم الحاجة والعمل والإنتاج وبين عناصره في جملة من النصوص والمفاهيم، وأوضح أن الطاقة الإنسانية بالتفاعل مع عناصر الطبيعة هي التي تنتج السلع التي يشبع بها الإنسان حاجاته المادية المختلفة، ويسدّ بها نواقص حياته، كالطعام واللباس والدواء.

وقد نوّه القرآن الكريم وأشار في مواضع، وصرح وأوضح في مواضع أخرى، أن الطبيعة هي مصدر الثروة، وهي مستودع الحاجات البشرية، وأن هذه الثروة الطبيعية لا يمكن استثمارها والاستفادة منها إلا بعد أن يبذل الإنسان الجهود اللازمة، فتتم عملية التفاعل بين الجهد والطاقة الإنسانية من جهة، وبين عناصر الطبيعة وخيرات الأرض من جهة أخرى لإشباع كل حاجة إنسانية تتركّز عناصرها في الطبيعة بشكلها الحر الطليق، قبل أن تمسها يد الإنسان.

قال تعالى: «أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون* وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون* ولهم فيها منافع ومشارب افلا يشكرون».(يس/7173)«والأرض مددناها وألقينا فيها رواسيَ وأنبتنا فيها من كل شيء موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين وان من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم»(الحجر/1921).